رواية وهم العودة للكاتب سمير اليوسف تحكي عن مأساة تقع في إحدى الليالي لثلاثة أصدقاء أما رابعهم فمأساته قد وقعت قبل ذلك. هي قصة شاب لاجئ فلسطيني عاش في لبنان حتى1982، ثم هاجر إلى لندن هرباً من عبثية التيارات السياسية والميليشيات المسلحة. هاجرت هذه الشخصية الرئيسة التي لم يسمّها سمير اليوسف إلى لندن، وكأنه يلمّح إلى كونه هو نفسه ليس منفصلاً عن الشخصية الرئيسة، ليعيش فيها خمسة عشر عاماً وليكتشف بعدها أنه ما زال يعيش في لبنان ذاك الذي تركه في الثمانينات وأنه لم يستطع التغلب على الماضي الذي بقي مُلقيً في ذاكرته في منطقة ما خلف الواقع.

ينتقل سمير اليوسف بانسيابية ما بين ألم الماضي و ضياع الحاضر وضبابية المستقبل مستخدماً لذلك ذاكرته الانتقائية التي ترسم الشخصيات على امتداد الرواية. ما يميّز الشخصية الرئيسة هو «الانطوائية» بشكل رئيسي؛ فهو لم يهتم بتكوين أي صداقة أو علاقة شخصية في مجتمعه الجديد، حتى إنه كان يتكلم الإنكليزية مع أقرانه العرب لوضع حواجز تمنع أياً كان من التسرب إلى داخله. ما ميّزه أيضاً البدء بشيء دون إكماله: كعلاقته بإحدى النساء البريطانيات لعدة سنوات والتي لم يحدد لها نهاية، أو التنقل من مهنة لأخرى دون إحراز أي نجاح وظيفي، أو أطروحة الدكتوراه التي حكم عليها بالفشل رغم وجود هوسه الشديد لإكمالها.

تحكي هذه الأطروحة عن نهاية مرحلة وبداية أخرى بين جيلين من المهاجرين الفلسطينيين في لبنان، وعن كيفية تحولهم من طبقة متدنية في السلم الاجتماعي اللبناني إلى طبقة وسطى. قوبلت هذه الأطروحة بالرفض الشديد من جماعات فلسطينية اعتبرتها أنها قد تخدم «أعداءنا الصهاينة» حيث تبرر اندماج اللاجئين في مجتمعهم الجديد. وبنفس القوّة قوبل هو نفسه بالضرب لعدم تراجعه عن الأطروحة لأنه لم يقتنع بفكرة «أعدائنا الصهاينة».

نقطة ضعف علي الوحيدة، كانت أخوه سامح الذي كان مثلياًّ، مما أثار عناصر المقاومة عليه الذين كانوا يحاربون الفساد الأخلاقي في المجتمع فأسروه ليلة المأساة وجنّدوه لحسابهم على أمل أن يستقيم في حياته. كانت تقضي عملية سامح أن ينقل بواسطة شاحنة العائلة كمية من المتفجرات إلى الجنوب. يُكتشف أمر سامح بعدها ليموت دون أن يفهم الهدف من موته، بينما يُعتقل أبوه وأخوه علي ويُجنّد علي الذي كان الرابط بين أصدقاء أربعة في لبنان، أحدهم الشخصية الرئيسة لحساب المخابرات الإسرائيلية قبل أن يهرب إلى أميركا .

جورج وماهر كانا الفيلسوفان بينهم، يملآن أماسيهم بالجدال الدائم حول طبيعة الوجود و طبيعة المعرفة متأثرين بالفيلسوف «هايداغل». «جورج» هو الأكثر صمتاً بين الأربعة والذي يثير الآخرين بسره الذي يعترف به للراوي أخيراً، في نفس الأمسية التي تحصل فيها المأساة، وهو أنّ أبويه مُطلقان منذ عشرين عاماً لكنهما يعيشان تحت سقف واحد حفاظاً على المظهر الاجتماعي.

أما ماهر فلم يكن يريد من سالم الذي يعمل في مصنع أبو حنّا للحلاوة إلا مُريداً لإثبات أهليته في زرع الأفكار عن البرجوازية والطبقة العاملة واعترافاً من غيره بكونه «رجلاً مثقفاً». على العكس فإنّ ما أراده سالم كان التغيير الثوري الذي سبّب تفجيره المصنع وبالتالي مقتل ماهر على يد حنّا أخذاً للثأر، باعتباره الرأس المدبر، وذلك في نفس الأمسية التي حصلت فيها المأساة.

تبقى حكاية أمينة أخت الراوي التي قتلت نفسها لتثبت لأخيها خالد المتسلط عليها، أنها تملك من الشجاعة ما يكفي لضغط الزناد. تبدأ قصتها عندما يقبل خالد انضمامها إلى فصيل سياسي عسكري كي لا ينكشف نفاقه السياسي في دعوته الدائمة من داخل الفصيل لتكوين فكر أنثوي متحرر. وهناك تجد أمينة متنفساً لكبت أخيها بكسرها القيود الاجتماعية السائدة: بدءاً من التدخين في الشارع ونهايةً برؤية أخيها لها وهي تقبّل شاباً في المعسكر. تُختتم الرواية بكون «برونو» على حق فلا مجال للعودة، إنها طريق باتجاه واحد. أو ربما لم يكن على حق، وهل هي عودة فكرية للماضي؟ أم عودة جسدية للجذور؟

يارا فيصل

محور الرواية

تبدأ الرواية بالفكرة الوحيدة التي بدت كاملة بالنسبة للشخصية الرئيسة والتي كانت عن صديقه علي الذي كان عميلاً للمخابرات الإسرائيلية والذي هرب بعد الانسحاب الإسرائيلي إلى أميركا عن طريق تل أبيب لتختم بذلك قصته فلا يعود هناك مجال لأي عودة. ولكن علي يكسر هذه الحتمية باتصاله من ولاية ميتشغان للقاء الراوي في مطار هيثرو لبضع ساعات قبل عودته إلى لبنان لأنه تصالح مع ذاته بعد حوار مع أحد اليهود الأيرلنديين برونو ثم توبته على يد أحد الأئمة المسلمين وتوبته هذه لن تكتمل إلا بعودته إلى لبنان.

الكاتب في سطور

* سمير اليوسف كاتب فلسطيني ولد في جنوب لبنان عام 1965.

* شرع في دراسة الفلسفة في الجامعة اللبنانية منذ وقت طويل، وأتمها في جامعتي «شمال لندن» و«جامعة لندن» فحصل من الأولى على شهادة بكالوريوس في «الإنسانيات»، ومن الثانية على ماجستير في الفلسفة السياسية.

* يكتب المقالة والقصة و له مجموعة القصصية «هموم عائلية» صدرت في بيروت، وعلى مدى عقد ونيف، ظهرت مقالاته ودراساته في الصحف العربية الصادرة في لندن، خاصة «الحياة» و«القدس العربي»، وفي بعض الدوريات العربية مثل «نزوى» و«الكرمل» و«أبواب» و«ادب ونقد»، وهي تغطي اهتمامات شتى تقع ما بين الأدب، لا سيما القصة القصيرة والرواية، والسياسة، لا سيما مسائل مثل السيادة والحياة السياسية والتسامح والسلام. وهو يسعى من خلالها إلى الكشف عن العلاقة الوثيقة ما بين الجمالي والسياسي.

* يعيش في لندن منذ عام 1990.