بعد روايتها «نوم الأيام» الصادرة عام 1986 انتظرت الكاتبة اللبنانية علوية صبح خمسة عشر عاما لتقدم روايتها الثانية «مريم الحكايا» الصادرة 2002 والتي لاقت احتفاء واسعا واستقبلها القراء والنقاد وجميع الدارسين بحفاوة بالغة وعلى نفس المستوى حظيت روايتها الثالثة «دنيا» الصادرة عام 2006، وبالفعل من يقرأ روايتيها مريم ودنيا سيكتشف أنه أمام تجربة روائية فريدة في خصوصيتها ليس فقط على مستوى الرواية اللبنانية ولكن أيضا على مستوى الرواية العربية، وفي هذا الحوار معها نكشف عن جوانب كثيرة في رؤيتها الإنسانية والإبداعية .
بداية نرجو إلقاء الضوء على مرحلة ما قبل الكتابة، كيف كانت النشأة، وأهم الركائز التي قام عليها وعيك المعرفي والإبداعي ؟
لا أستطيع أن أقول لك متى بدأت أحلام الكتابة لأن ما قبل وبعد خيط من الصعب قطعه أو ترصد متى بدأت تفكر بالكتابة، هذا كان منذ الطفولة امتلكت حلم الكتابة، كنت وأنا صغيرة أقعد أكتب، الكتابة هي علاقتي بالحياة وبالأشياء وبالتعبير عن حالي، لما كان أحد يقول لي شيء، لا أحكي، بل أذهب للكتابة، الحاجة إلى الكتابة كانت موجودة عندي وأنا صغيرة، علاقتي بالتعبير نشأت أكبر من علاقتي بالحكي. أنا لا أفهم الكتابة تقليدا لأحد، الكتابة تتم بوجدانك ووعيك، هناك من يكتب تحت ضغط المؤثرات الثقافية وهناك من يكتب تلبية لحاجة شخصية ومؤثرات إنسانية ذاتية لها علاقة بتجربته الإنسانية، والتحدي : كيف يمكن أن تخلق شخصيات حية ومليئة بالحياة، وألا تكون ميتة أو لا تولد ميتة حتى إذا أخذتها من الكتب، التحدي هو أن تكون قريبا من الحياة لتقربها وتقربك بالأدب .
حجم من انعكس من الوضع الاجتماعي الذي عشته والوضع الثقافي الذي عشته أيضا على كتابتك الإبداعية؟
عندما بدأت أكتب ـ قبل الكتابة أنت سألتني ـ حاولت كثيرا أن أجرب أن أعبر عن ذاتي بمعزل عن المؤثرات الثقافية، كتبت ورميت كثيرا، صدقني رميت أكثر بكثير مما احتفظت، حتى حينما بدأت بكتابة (« مريم الحكايا» بعد انقطاع طويل وصمت طويل من كتاب « نوم الأيام» الذي كان تجربة داخلية ذاتية ، أما « مريم الحكايا» خرجت إلى الحياة، إلى الآخرين، إلى الشخصيات الشعبية، إلى الذاكرة، إلى النساء اللاتي شعرت أنهن ملغيات بالأدب، بدأت أكتب وأكتشف، وقادتني الكتابة نحو عوالم مجهولة بهذه البنية، بهذا العالم السفلي، الشعبي، لشخصيات كانت تدهشني وأنا أكتشفها .
يفصل ما بين روايتك الأولى «نوم الأيام» وروايتك «مريم الحكايا» ما يتجاوز 16 عاما.. أين كنت وماذا كنت تفعلين؟
الكتابة بالنسبة لي هي الحياة، وطوال هذه الفترة التي لم أنشر فعلا، كنت أشعر بأنني بين المفقودين، لأن الكتابة هي العيش هي الرئة، هي الإحساس بالوجود، ولكن وصلت لمرحلة كنت أشعر فيها بأن الشخصيات التي كتبت عنها، في لحظة ما ـ صدقني ـ شعرت بأن رائحة عفونة تخرج من الأدراج وأن الشخصيات ماتت من الاختناق، لأنها لم تر النور ولم تصدر في كتاب، شعرت أنني أقتل أبطالي وبأنني إذا لم أكتب عنهم أقتلهم مرة أخرى سيكون المصاب أعظم، في المرة الأولى حين لا نكتب عن الأبطال نقتلهم وحين نكتب ولا ننشر نقتلهم مرة ثانية، فبالتالي هذه الفترة كانت بين اليأس والضياع والكتابة بدون هدف، كانت هذه ميزة هذه السنوات التي سبقت« مريم الحكايا».
ألا ترين أن روايتك دنيا لم تأخذ حقها ؟
لا، بالعكس، دنيا من وجهة نظر بعض النقاد أهم من مريم الحكايا، وهي أيضا تم طبعها عدة طبعات، فهي على مستوى النقد وعلى مستوى القراء لاقت ربما نفس الاهتمام، ربما الانتلجنسيا أحبوها أكثر، بالعكس ما حظيت به دنيا من كتابة نقدية مديح كان ملفتا .
هل ولدت« دنيا» من رحم «مريم الحكايا»؟
مريم ودنيا ولدا من رحمي، أعتقد أنني في دنيا حاولت أن أكمل المشروع الكتابي الذي هو تراكم التجربة الكتابية المفتوحة التي لا تقع في التجريب بقدر ما تحاول أن تتجاوز ما هو ثقافي وما هو منجز، يعني أنا فتحت على ذاكرة أخرى في الكتابة، يتحدثون كثيرا عن الكتابة الجديدة لكن أعتقد بكل تواضع أنني من علاماتها، يعني أحاول أن أعمق هذه التجربة وأن أستكملها بما هي تواصل مع التراث وبما هي عدم انقطاع عن الرواية العالمية والتجربة الغربية، ولكن دون أن أقع في التقليد لا في التراث ولا في الرواية الكلاسيكية.
زمنيا تنتمي مريم الحكايا وأيضا دنيا إلى مرحلة الحرب كخلفية افتراضية، ولكن تصلح لأزمنة أخرى؟
هذا السؤال يجيب عنه ليس فقط الزمن ولكن القراء الذين قرأوا الروايات، أنا لم أكتب عن الحرب كتفاصيل عسكرية أو كمعطى ميداني، أنا كتبت عن مصائر شخصيات وعن التبدلات التي أصابت الشخصية بسبب الحرب، استكشفت ما يبقى مع الزمن، هو هذا الاستكشاف وهذا الاستحضار لذاكرة مجتمعية ولشخصيات وحفر في الشخصيات الإنسانية وكشف لها في البنى النفسية وفي الأجساد وفي الرغبات وفي التشكيل النفسي وفي البيئة والزمان والمكان.
هل برأيك كان ضروريا أن يتجلى الجنس في حياة بطلاتك ؟
الجنس في رواياتي مثله مثل أي موضوع آخر، الكتابة فعل حرية وليست ردة فعل، بمعنى أنا لم أكتب الجنس لأقول إنني جريئة أو أقول إنني أريد أن أخدش حياء المجتمع وأخدش الأخلاق، لست بحاجة لذلك، لأنني أؤمن بأن الكتابة هي فعل حرية بحد ذاتها، وأعتقد أن القارئ والقارئة شعر بأن الجنس عفوي وليس مفتعلا، الجنس في رواياتي في لحظة ما يأتي لكشف الشخصية، لابد وأن أمر على الجسد.
لكن الجنس ـ بشكل عام ـ بات تجليه قويا في الرواية العربية، هل ذلك أيضا يعد طبيعيا؟
لابد للصراخ الجنسي من أن يهدأ وأن تدخل الكتابة في العملية الفنية بحد ذاتها، أنا ضد كتابة الجنس أو غيره ما لم تكن هناك حاجة فنية، بعض الكاتبات يلجأن للجنس لأسباب كثيرة إما للقول بأنهن جريئات أو للتنفيس، محتاجات لأن يعبرن عن جسدهن باللغة، أحيانا يشبه ذلك الصراخ، وأحيانا يشبه الاستهلاك الجنسي، ولكن ذلك يتم عند الكتاب وعند الكاتبات، إن معظم ما يميز هذه الكتابات أنه لا يوجد بها وعي فني، لكن كما قلنا مع الوقت يمكن أن تصل إلى هذا الوعي، وبشكل خاص في السعودية، فالكاتبات هناك محتاجات للتعبير عن أجسادهن لكن ليس هناك مبرر فني في كثير من هذه الأعمال، مع الوقت ربما يصلن إلى الفنية.
كيف ترين المشهد الروائي اللبناني عامة وعلى جانب إبداع المرأة خاصة؟
لاشك الحرب اللبنانية وذاكرتها التي تمتد على مدار ثلاثين عاما طورت الرواية اللبنانية وأوجدت أصواتا وحاجات للتعبير واتجاهات مختلفة في الكتابة، لكن لا أفصل الرواية اللبنانية عن الرواية العربية التي تعتمل فيها تجارب مختلفة وهناك أصوات متعددة ومتميزة، وأعتقد أن الرواية تمثل حاجة تعبيرية لأن التجربة الإنسانية غنية كثيرا.
ما أهم المشكلات التي تعاني منها المرأة على اختلاف تكوناتها الثقافية والمعرفية في الوقت الراهن؟
المرأة تعاني ما يعانيه المواطن العربي من مشكلات، ولكن تزيد معاناتها عن الرجل بسبب القمع والأمية وغياب المجتمع الديمقراطي وفسح المجال أمام الطاقات النسائية. المرأة تعاني من العنف في مختلف أشكاله، العنف الديني والجنسي والاجتماعي واللغوي، المرأة عندها مشكلات أساسية، عندها قمع حرية، لكن هناك بالمقابل محاولات من المرأة لإثبات حضورها ومواجهة التحديات بحلول وخيارات شخصية، وأهم ما تعانيه المرأة ككاتبة هو قبولها، قبول الصورة التي يضعها فيها المجتمع، لذلك كل ما أفعله بكتابتي هو تعرية هذه الصورة، يعني الرجل هو من رسم للمرأة كل شيء، حدد لها علاقتها بجسمها وبأولادها ومجتمعها، وسلمها مفاتيح المجتمع الذكوري لحراسته.
هذا يجعلني أسألك عن الإشكاليات التي تواجهك ككاتبة؟
أنا لم آت ولم أكتب لأحرم الرجل الكلام، إنني آتية لأغني وأعمل تعدد أصوات، وحتى أكون أنا وهو نعبر عن المجتمع وعن حالنا ،أن تكتب المرأة بشكل حقيقي فيعني أنها لا تريد أن تقول للرجل تنحى جانبا، أنا لا أريد أن أقول للرجل تنحى جانبا أنا أريد أن أعبر عنك كما فعلت نوال السعداوي وأسماء كثيرة، أنا أريد أن أعبر عن ذاتي حتى يكون هناك مشاركة في بناء الذاكرة وصناعتها وغناها وتعدد أصواتها، لأنه لا توجد حقيقة واحدة، والكتابة بحث عن الحقيقة.
الكاتب صاحب الفكرة الأساسية للعمل وأبطاله يخدمون فكرته، إذن الكاتب ولغته ليس بعيدين ؟
الكاتب ليس بريئا والكتابة الروائية ليست بريئة ولا تدعي البراءة، لماذا أنا أستدعي شخصيات نافرة مثلا ؟ لا أعرف، أكيد لها علاقة بأنها تستلفتني، وأقدمها نافرة حتى أقول شيئا عبرها، تكشف مجتمعا، تقول شيئا، لكن هناك فرقا بين ما يحمله النص من أطروحات وهناك فرق أن تقول، أن تتكئ، أن تخترع، وتخلق أبطال وتلبسهم لغتك وقناعاتك وأفكارك وأيديولوجيتك، هنا تلغي الحياة، هنا لا يخلقون أحياء بل أموات، العمل الروائي هو تخييل وإقناع، إن سقط الإقناع يفقد العمل أهميته.
تعدد الأصوات
أنا أؤمن أن الرواية تعدد أصوات، يعني معظم الروايات في عالمنا العربي وفي لبنان، تحس أنه لا يوجد تعدد أصوات بل صوت الراوي العليم العارف، هو موجود في كل الشخصيات، إذا كانت غير اخلاقية أو مدرسا أو نجارا، لغة الكاتب يبثها في كل الشخصيات، أنا أرى الفعل الروائي مساحة وفضاء متعدد الأصوات، أنا لا أحاول أن أسيطر على الشخصيات وأن ألبسها لغتي، لا شك أن كل كاتب تتسرب لغته لبعض الشخصيات، لكن هناك فرقا أن تعطي من ذاتك لأبطالك وفرق أنت تلبسهم لغتك، وينطقون باسمك، هذا فرق كبير بين الكاتب وبين الروائي، الروائي يتقمص لغة أبطاله ويعرف أحاسيسهم، يروح هو لعندهم ويستنطق لغتهم، ولا يلبسهم لغته .
الولادة
من الحياة
مريم الحكايا ولدت من صلب الحياة، من صلب التجربة الإنسانية في الحرب اللبنانية، من صمت النساء، من الرغبة بالكلام عن الذاكرة النسائية، والرغبة في وضع صوت الكاتب جانبا، صوت علوية أو زهير ومريم، كنت أشعر أنني كتبت وكتبت ما يقارب الألفي صفحة قبل صدور مريم الحكايا، ثم اختصرتها لألف صفحة وبعد ذلك لأربعمئة وخمسين صفحة، تولدت لدي حاجة في أن تحكي شخصية شعبية (مريم) بدلا عني وعن زهير، أولا لأنني صمدت وكنت أحتاج إلى بطلة تعيدني أيضا إلي الحياة حين تروي.
شهادة محجبات
هناك محجبات لم يرفضن رواياتي بل تحدثن إليّ أنهن لم يخجلن من قراءة رواياتي لأنهن لم يعتبرنها بذيئة رغم الجرأة، قلن «علمتنا وجعلتنا نعرف ما الحياة وما المجتمع وما الرجل، كيف يرانا الرجل، وكيف نرى لحالنا معه، وكيف نرى جسمنا، وما هي علاقتنا بجسمنا».. القارئ لابد من أن يشعر بصدق الكاتب، الصدق يصل للقارئ والافتعال يصل.
محمد الحمامصي



