السيف الدمشقي.. رمز العزة والكبرياء

السيف الدمشقي.. رمز العزة والكبرياء

صورة

حادثة خلدها التاريخ وهي استلال صلاح الدين الأيوبي لسيفه الدمشقي وقطع قضيبين من الحديد قائلا: إن سيف العرب حر لا يهان

اشتهر السيف الفولاذي الدمشقي بصلابته ومرونته في آن. وبقوته التي تشبه السحر. ووزنه الخفيف إضافة إلى جمال الشكل وروعة التصميم. كما حمل معه عناصر الجودة والجاذبية. ونسجت حوله العديد من القصص الخيالية والأفلام السينمائية الأوروبية والأسيوية. التي اعتمد صّناعها على حادثة خلدها التاريخ وهي استلال صلاح الدين الأيوبي لسيفه الدمشقي وقطع قضيبين من الحديد قائلا: إن سيف العرب حر لايهان. بعد أن وصف ريتشارد قلب الأسد قائد الحملة الإفرنجية الصليبية سيف صلاح الدين بالمهلهل.

اشتهرت مدينة دمشق بصناعة السيوف. وحققت شهرة واسعة بنوع خاص من السيوف أطلق عليه اسم «الجوهر الدمشقي» ومنه صنع السيف الدمشقي الذي يمتلك خصائص محددة أكسبته تميزه الخاص. فقد منحه وجود الأمواج المجدولة على سطحه القوة والصلابة وجعلته مختلفا عن غيره. أضف إلى ذلك تنفيذ عمليات الطرق والسقاية بدقة بواسطة النار. إضافة لقدرته العالية على تحمل تغيرات درجات الحرارة الكبيرة دون أن يتأثر شكله أو خاصيته. في القرن الثالث الميلادي انشأ الإمبراطور (ديوقلسيانوس) مصنعاً للسلاح لوجود الحديد الصالح والمناسب لصناعة الأسلحة والسيوف في الأماكن القريبة منها.

إلا أن السيف الدمشقي اقترن باسم أشهر صانعي السيوف أسد الله الدمشقي الذي برع وتفنن في تشكيل الجوهر وتطريقه وجعله يشبه حراشف السمك. وكان يرمز إلى اسمه بحجاب فني بشكل زهرة ينقشه على الجانب الأيمن من نصل السيف وضمنه (عمل أسد الله الدمشقي). يوجد نموذجان منه. الأول محفوظ في متحف الأرميتاج في ليننغراد. والثاني في دمشق. ولم يعمم هذا النموذج ربما تحاشيا لذكر اسم الله على السيف الذي يلقى على الأرض أو يوضع في أماكن غير لائقة. وهناك رمز بدل كان يطبع به أسد الله نصل سيفه وهو خاتم يمثل صورة الأسد منفذا بشكل بسيط. وهو ملتفت إلى الوراء.

وقد نفذ هذا الختم مع ختم آخر يوضع فوقه وعبارة(يا قاضي الحاجات). وتميزت سيوف أسد الله بثلاثة قنوات أو اقل. الهدف منها التخفيف من وزن السيف. ومرور الهواء المجر ثم داخل الجرح. هذا في سيف الخّيال. في حين تكون نصال سيوف المقاتلين المشاة من غير تفريغ. وزين أسد الله (وجاء)سيفه بواسطة التخريم. وصنع قبضته من قرن الجاموس وقليلا من قرن الكركدن وبشكل نادر من العاج. من النموذج ذو النهاية المشهورة بشكل الكلية المقلوبة إلى الأسفل بعكس ذؤابة السيف. ولأسد الله الدمشقي نموذج نادر لسيف صنعه محفوظ في المتحف الحربي بدمشق. مزين بأفعى مجسمة مفرغ قليلا إلى جوانبها ونفذ عينيها ولسانها السام بالذهب.

حافظت دمشق على شهرتها في هذه الصناعة حتى غزاها القائد المغولي (تيمورلنك1401) الذي نكث بعهده بعد أن آمن أهلها. فدخلها وفعلت جنوده ما لا يحمل ذكره من الفتك والحرق والهتك والتدمير. وكانت هذه المصيبة من أعظم المصائب التي دهمتها في كل العصور. إذ نكب تيمور لنك الصناعة الدمشقية. بتخريب المدينة. وأفقرها من كل وجه. فأجلى المهرة من أرباب الصنائع. وحمل معه إلى سمرقند وبخارى عند رحيله عنوة كل ماهر(150. 000) في صنعة من الصناعات: كالخياطين. النساجين. النقاشين. الزجاجيين والسيافين. ممن يصنعون السيوف البواتر التي اشتهرت بهم دمشق. واخذ أسد الله الدمشقي إلى إيران.

وهناك عمل مدرسة مازالت حتى الآن تحمل اسمه مع ختمه الخاص باسمه وعبارة يا قاضي الحاجات. على النصلات. وفي إيران وضع للسيف أسد معكوف. فيما تعرف الأتراك أثناء فترة الحكم العثماني إلى السيف الدمشقي ونقلوا امهر صناع دمشق إلى اسطنبول. أما الشفار والنصال الدمشقية فطار صيتها في الدنيا ولم يعرفها الأوروبيون إلا بالحروب الإفرنجية الصليبية مع أنها كانت مستعملة قبل الميلاد بزمان طويل عند أمم غير متقنة للصناعة المعدنية وافرغ أرباب الصناعة في أوروبا جهدهم ليكتشفوا كيفية صنعها. يبذل علماء الغرب في عصرنا الحاضر محاولات عديدة للكشف عن أسرار صناعة النصول العربية وطرق تعدينها.تتميز تلك النصول بعدة ميزات جعلتها متفردة عن غيرها أهمها ظاهرة (الجوهر)الذي أطلق عليها أيضاً أسماء:

(الفرند ـ ماء السيف ـ الاشر ـ الفسفة)والجوهر عبارة عن اصطلاح يستخدم لبيان ظاهرة الخطوط المتداخلة المتباينة المختلفة الألوان والأشكال والأوضاع على صفحات النصول.وهي خطوط ناعمة متداخلة على شكل النسيج الشبكي أو هي على شكل يقسم النصل إلى مسافات قصيرة متساوية أو على شكل عقد متناسقة متقاربة متلاصقة وربما تكون على شكل خطوط عريضة تشكل بقعا مستديرة أو مستطيلة واحيانا خطوطا متعرجة أو متوازية.هذا الاختلاف يرجع أما إلى تغير في نسب الشوائب الداخلة في الخليط الفولاذي للنصل والذي تدرس كمياته بدقة كالكربون والألمنيوم والسليسيوم والكبريت والفوسفور وبعض المواد العضوية الأخرى. أو إلى التغيير في الطرق الحرارية من إسقاء وإحماء وتبطين وتحكم في درجات حرارة كل منهما.وتختلف أنواع الجواهر باختلاف مصادرها وذلك تبعا لمناطق الاستخدام وحسب الضرورات القتالية. وللجوهر ثلاثة أنواع رئيسية:الدمشقي. الفارسي. الهندي.

أقسام السيف الدمشقي:

يتألف السيف الدمشقي كما شرحه أحد العاملين بهذه المهنة القديمة: من1- النصل المستقيم أو المقوس. يصنع من الحديد غير المعالج أو الحديد المسقي أو الفولاذ. ويتم تطعيمه بالفضة أو الذهب أو النحاس. وتنزيل النقوش عليه كالحكم.. أبيات الشعر.. الآيات القرآنية أسماء الله الحسنى. 2- المقبض لحمل السيف. يصنع من عظم الحيوانات أو خشب الجوز والمشمش القاسي. ويغلف بجلد طبيعي لحمايته وتجنب الألم الذي يسببه الاحتكاك أثناء القتال. ويرصع بالأحجار الكريمة أو الذهب مع واقية اليد (البلجق) والتي تصنع بشكل مقوس لوقاية اليد من ضربات السيوف الأخرى. 3-الغمد وهو الجزء الظاهر والأبقى من السيف. يصنع من الخشب بطول نصل السيف وتثبت عليه صفائح الفضة أو النحاس المذهب. مع ترصيعه بالأحجار الكريمة وتنقش عليه الأشعار والحكم والخطوط. وبما انه يظهر دون النصل. لذا يهتم بعض المقتنين للسيف الدمشقي بزينة الغمد والمقبض والواقية لتعليقه في المنازل أو المكاتب.

تعتبر حرفة صناعة السيوف من المهن والصناعات المتوارثة. بعد رحيل صانعيها المهرة. الذين ماتوا دون تعليم سر صناعتها لأحد. إلى أن بدأ القلة القليلة الباقية من بعدهم بالتقليد أو التعلم على أيدي صناع آخرون. ومن ثم عادت الصناعة إلى سابق عهدها مع بروز فن تكفيت المعادن في دمشق. حيث يسحب الذهب ثخانة لا تتجاوز ضعف ثخانة الشعرة العادية ويحفر على نصل السيف مجرى ضيق تثبت فيه الأسلاك الذهبية أو الفضية.

حرفة تراثية عريقة

ورث الحرفيون الدمشقيون صناعة السيوف عن أجدادهم. وببراعة فريدة. أتقنوها وطوروها. وجددوا في أشكالها. فتعددت فنون زخرفتها من خلال رسم لوحات فنية يعبر عنها بأشكال هندسية أو آيات قرآنية أو أشعار عربية تحفرها أقلام فولاذية. حمل الغمد إشكالاً تراثية. وحرص صانعو السيف وتفننوا باخراجه بطريقة فنية وجمالية. تتخذ هذه الصناعة حاليا بعد إلغاء مهمات السيف الحربية. صفة فنية يصبح السيف الذهبي والفضي من خلالها تحفة اثرية وقطعة جميلة تزين بها الجدران ووضعها كديكور تزيني لاضفاء أجواء الأصالة الدمشقية على المكان. في حين يعبر إهدائها عن قوة العلاقات وعمق المحبة ضمن المناسبات الاجتماعية والرسمية المختلفة.

ارتبطت بعض العائلات الدمشقية بمهنتها وتكنت بها (السيوفي ـ القزاز ـ النويلاتي. النجار. الصابغ-المنجد النحاس -المبيض)ولم يكن أي من الصّناع القدماء يبوح بأسرار المهنة إلا لأبنائه وأحفاده. بعدما تخلى عن السيف صناع كثيرون ظلت بعض العائلات الدمشقية حريصة على صناعته. منهم من يمارسها الآن كهواية بما تحمله من ذوق رفيع وجاذبية وليست كمهنة ومنهم من نسيها واتجه للدراسة والتحصيل العلمي العالي.

تبدو السيوف بنماذجها المختلفة: الذهبية والفضية. والمرصعة بالأحجار الكريمة أو المطعمة بالنحاس. المعروضة مع الأدوات التراثية الملحقة بها (مثل الدرع والترس والخوذ. والخناجر المزخرفة) في واجهات محلات الشرقيات في منطقة باب توما. ودمشق القديمة. وسوق الحميدية. كأهم القطع الشرقية التي تلفت أنظار السياح والزوار القادمين من انحاء مختلفة من العالم. وتجعلهم يسارعون لاقتنائها بعدما تأسر ببريقها العيون وتثير الدهشة العميقة في النفوس لجمالية شكلها وقوة معناها.

ولدى زيارتي لأكثر من محل متخصص في صناعة السيوف وجدت أن صناعة السيوف لم تنقرض أو تندثر فهي باقية كجزء من حياة الناس وذكرياتهم وتراثهم الموروث بكل ما يحمله من قصص البطولات والفخر والحب. إلا أنها تتخذ حالياً بعد إلغاء مهمات السيف الحربية. صفة فنية يصبح السيف الذهبي والفضي من خلالها تحفة أثرية وقطعة جميلة تزين بها الجدران وتوضع كديكور تزيني لإضفاء أجواء الأصالة والعراقة الدمشقية على المكان. في حين يعبر إهدائها عن قوة العلاقات وعمق المحبة ضمن المناسبات الاجتماعية والرسمية المختلفة..

بلغت شهرة السيف الدمشقي الآفاق. وغزا دول العالم قاطبة. وتسميته كانت دائما مرادفا للنوع الممتاز من السيوف بما يحمله من تقنيات حربية كالمرونة إثناء القتال. وتمكين حامله من اللحاق بخصمه وعدم النفاذ منه بسهولة. ميزته عن غيره من السيوف الأخرى كالرومانية والإيرانية والتركية والفارسية.من اجل هذا اقتنت الكثير من تلك الدول نماذج من السيوف الدمشقية التي جعلت اسم الصانع الدمشقي يشبه الأسطورة. لذلك تفخر دمشق بسيفها الدمشقي الذي يدل على مهارة الصانع الدمشقي. وجعلته رمزا لمعرضها السنوي.خلدته برفع نصب له وسط أشهر ساحاتها ـ ساحة الأمويين ـ كرمز لقوة ومنعة أقدم مدينة مأهولة في التاريخ. مختزلا

أسد الله الدمشقي

انشأ الإمبراطور ديوقلسيانوس في القرن الثالث الميلادي في دمشق مصنعا للسلاح لوجود الحديد الصالح والمناسب لصناعة الأسلحة والسيوف في الأماكن القريبة منها.إلا أن السيف الدمشقي اقترن باسم أشهر صانعي السيوف أسد الله الدمشقي الذي برع وتفنن في تشكيل الجوهر وتطريقه وجعله يشبه حراشف السمك. وكان يرمز إلى اسمه بحجاب فني بشكل زهرة ينقشه على الجانب الأيمن من نصل السيف وضمنه «عمل أسد الله الدمشقي ».

السيف الأسطورة

بلغت شهرة السيف الدمشقي الآفاق. وغزا دول العالم قاطبة. وتسميته كانت دائما مرادفا للنوع الممتاز من السيوف بما يحمله من تقنيات حربية كالمرونة أثناء القتال. وتمكين حامله من اللحاق بخصمه وعدم النفاذ منه بسهولة. ميزته عن غيره من السيوف الأخرى كالرومانية والإيرانية والتركية والفارسية. من اجل هذا اقتنت الكثير من تلك الدول نماذج من السيوف الدمشقية التي جعلت اسم الصانع الدمشقي يشبه الأسطورة.

فاتنة صالح الكردي

تعليقات

تعليقات