يعشق الناس التاريخ لأنه مخزون ذاكرة مليئة بالتجارب والتاريخ ليس المدون والمحفوظ في الثقافة الشفاهية فقط، بل يسكن التفاصيل، يسكن الصخور والجبال، يسكن السلوك والفعل والمآثر التي تركتها التجربة الإنسانية في العلوم المختلفة. يسكن الأيام والليالي ويسكن ما تتركه أناملها على ما نلمسه وما نتعاطى معه وبه..

على إبريق اثري من الدهور البائدة تتلقفك النقوش والمنمنات الصغيرة، يرحل بصرك في تلك التفاصيل الدقيقة ويبرز لك خيال وجه النقاش أو الصانع الذي جلس يوما ما في خلوته لكي يبدعها، لحظة تخليق وتدفق يعكس شغف الإبداع وتوثير خيالاته حينما يسناب كشلال لا يتوقف إلا بعدما تثبت الرؤى وجودها وتصبح كائنا تلمسه بأطراف أناملك. سيرحل بك ذلك الابريق البسط في شكله العام والعميق بتلك المنمنمات والخطوط النحتية إلى أتون تلك الحقبة من الزمن التي جاء منها، والأثري العالم هو الوحيد الذي يمتلك القدرة على صياغة موضوع علمي مطول، بعشرات الصفحات وآلاف الكلمات ومدجج بالشواهد التطبيقية والنظرية لكي يمكنك من قراءة تاريخ وثقافة امة عاشت واندثرت حضارتها يوما تحت ظل ذلك الإبريق الصغير.

يعشق بعض الناس القطع الأثرية بالرغم من انها قد لا تنتمي إلى حضارتهم وثقافتهم، لكن في النهاية يعشقونها لأنهم بشر ينتمون إلى الحضارة البشرية، لهذا نجد من يدفع لاقتنائها أثماناً باهظة.. قطعة أثرية صغيرة جدا، قد تكون مجرد ملعقة أو إبريق أو آنية فخارية أو خزفية، أو قطعة نقدية من الحجر ستركن على رف في زاوية ما من المكان، وجودها قد لا يعني شيئا للآخرين، لكن بالنسبة للمتابع فهي النافذة التي تفتح له أفاقا تعبر إلى حقبة زمنية معينة، أو انها تحيله مباشرة إلى عراقة التاريخ البشري ومنجزات الإنسان.

اليوم وفي عصرنا الحديث، باتت التقنية سيدة الساحة تفرد عطلاتها تختصر الوقت والجهد، توفر المدى شاسع من الخيال، وعبر الكمبيوتر الصغير يستطيع المرء ان يدير مصنعا وآلات معقدة، هذه الآلات المدفوعة بالتقنية الرقمية توفر له اليوم الحلول السهلة.. فالإبريق الذي جلس ذلك الصانع يهدر الوقت من اجل نقوش صغيرة على جدرانه وسط دخان النار والغبار وضجيج طرق الآلة الحادة، ستجعل التقنية الحديثة صناعته سحرا يتحقق في طرفة عين..

والخطاط أو الرسام الذي يجلس لأيام طويلة من اجل إنتاج لوحة حروفية ينز منها العرق الإنساني، ستكون آلة النسخ الحديثة وبرنامج رقمي معين قد حسمت أمرها في دقائق، فالطباعة التي تتكئ اليوم على عمود التكنولوجيا لن تتوانى في تقديم خيارات لا نهاية لها للشكل واللون في تلك اللوحة الحروفية.. لكن مع هذا لا يمكن للوحة خطاط أسلمت الحروف فيها لتوترات الأصابع وحركة اليد والريشة التي توقع رقصها بنبض الدم في الشرايين ان تكون هي تلك المصنوعة عبر الآلة..اليوم لا قيمة للوحة التي تقدمها عضلات التقنية بمقابل لوحة صنعتها يد الإنسان..

العودة إلى القديم

يعشق الناس الأنتيك والأشياء القديمة وبدأت ثقافة جديدة في حياتهم المعاصرة تدفعهم إلى العودة إلى تلك اللقي القديمة.. عشق النقوش على الأبواب والنوافذ، أمام الأعين خلال السير في الطرقات الحديثة حيث المباني التي أبدعتها الهندسة الحديثة، وكل ما فيها من تفاصيل هي نتاج الحضارة الحالية لكن المرء يقف متأملا ذلك الشباك أو ذاك الباب الذي طعم به المبنى فتغير الملح سريعا أمام ناظريك.

عاد الناس من جديد إلى القديم، لأن جفاف الآلة وحدتها، والمدن التي تبدو مفرداتها المعمارية اقتربت من التكرار لأن الإنسان بطبيعته ملول تسكنه النوستالجيا الميالة نحو القديم ولكن بشرط أن تكون مزينة برؤية جديدة، والحنين إلى رائحة الأمكنة المعطرة بالذكريات..لكن الآلة الحديثة أيضاً لم تترك خيارا للإنسان الا واجتاحته، فالأسواق اليوم تمتلئ ببضائع تبدو في هيئتها محمولة على كرسي الأصالة والقدم والتراث، لكن صناعتها آلية، صنعتها الآلة حينما راحت تقلد يد الإنسان المرتعشة وهي تمر على خطوط الحفر والنقش والتعشيق.. بدأت الآلة تحاول جاهدة ان تستجيب لرغبة الإنسان وانصياع روحه لذلك الأصيل، وبدأت المصانع تسرق من تلك النقوش وتلك الإبداعات فكرتها لعل روحا تدب فيها..

استلهام الماضي

عاد الناس إلى ماضيهم يستلهمون روحه وإنسانيته، بدليل هذا التهافت على تلك المنمنمات العتيقة الغارقة في نعيم العراقة، فهل هو هروب من جفاف الآلة وجمودها، ام اشتياق، ام محاولة لإنسان الألفية الثالثة للإبقاء على خيط اتصال بملايين الناس الذين عبروا التاريخ وخلفوا لنا ثقافات في أيقونات ما زالت شاهدة على خيالهم الجامح حينما كانت الليالي خالية الا من قمر ونجوم، لا طائرات ولا أقمار اصطناعية، ويوم كان السفح والسهل خاليا الا من أناس ودواب وشجر وريح ومخلوقات طائرة في السماء..حيث الطبيعة لا الآلة هي الملهمة والتي المحفزة للرؤى الخلاقة..

الخشب حفظ للإنسان سيرة إبداع حافلة، والإنسان أيضاً وجد في الخشب مادة مطواعة تسير على هواه، ولأن الشجرة التي أهدته جسدها كانت كريمة إلى حد لا يطاق سحل أغصانها وجذوعها بمبارده، نقش عليها كلماته لحفظ الأسرار، كما رسم عليها وروده وأزاهيره. وصارت لديه صفحات من خشب يطعمها بأخرى ذات ألوان وتنويعات مغرية للخيال ومحفزة على الفن..

الفن الإسلامي

يسجل التاريخ عنوان «الفنون الإسلامية» وهي الفنون التي أنتجها الفنان المسلم عبر العصور حينما استطاع الإسلام ان يصهر ثقافات متعددة ومتباينة ويوحدها، فيحسب فن «الارابيسك» للنحات المسلم الذي أبقى ميزة خاصة به ميزته عن باقي الفنون، ومن هنا انطلق هذا العنوان ليشمل الزخرف والمنحوتات وأساليب التخشيب المتنوعة.. وفي مقدمة ابتكارات النجارين المسلمين استخدام «الحشوات المجمعة» في صناعة الأدوات الخشبية بواسطة الجمع بين القطع ذات الأشكال الهندسية المختلفة، وهذا الأسلوب لا يستقي فكرته من عامل التزيين والجمال فقط، بل هو أيضاً كنوع من التحايل على تقوسات الخشب نتيجة الظروف، فهذه القطع الموصولة تتيح مجالا للتعامل مع حرارة الطقس وتعمل الفراغات بين قطع الأخشاب الصغيرة على منح الخشب مساحة كافية للتقلص والتمدد.

واشتهر فن الحشوات المجمعة في عصر الدولة الفاطمية في مصر اما في عصر المماليك فقد شهد فنون النحت والتصميم على الخشب بأسلوب جديد هو أسلوب «الخرط» الذي شاع في صناعة السواتر الخشبية، وقد اشتهر اليوم في عصرنا باسم المشربيات، حيث يتم تحويل الخشب إلى «برامق» مستديرة ترص إلى جانب بعضها البعض بأسلوب لا يخلو من ذكاء الصنعة وفن الإبداع.

كما أضاف المسلمون أسلوب التطعيم وهو يعتمد على حفر الزخارف وملأها بأخشاب ثمينة مغايرة في اللون كالابنوس والتيك والصنوبر وكذلك استخدام العاج والصدف، وفي إيران ابتدع الخشابون المسلمون هناك زخارف على الخشب بإضافة الألوان اللامعة وطعموها بالتصاوير والرسوم المختلفة. وتشير المراجع والبحوث التي تتبعت منجزات النجارين المسلمين إلى متحف «بناكي» في أثينا الذي يضم بابا خشبيا عثر عليه في ضواحي بغداد، ويعد من أقدم التحف الخشبية التي تنسب إلى نهاية العصر الأموي. ويحتوي على رسومات ونحوتات لشجرة ذات فروع وأغصان وأوراق نباتية.

ويعد باب الجامع الأزهر الذي أمر الحاكم بأمر الله بصناعته لهذا الجامع ويحتفظ به الآن متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، واحدا من الأبواب الأثرية الشاهدة على تلك الفنون والإبداعات. كما ادخل المسلمون على صناعات الخشب موادً مختلفة مثل النحاس والبرونز والحديد المصبوب. وهي شاهدة وحاضرة اليوم في العديد من أبواب المساجد والقصور والمدارس والبيوت في بلاد الشام ومصر، لقد ابتكر الصناع المسلمون طرق مختلفة في صناعة الأخشاب راعوا فيها عوامل الطقس والحرارة وكذلك الحاجة الاجتماعية وأساليب الاستعمالات للأخشاب التي صنعوا منها أبواباً وشبابيك ومنابر وزخرفات للقصور والمباني.

يشدنا القديم اليه كثيرا لأنه محمل ومكتنز بإبداع حضارات تمازجت وأساليب حياة لدى شعوب جمعتها راية واحدة. قطعة الخشب التي تعيدك اليوم برائحتها وخطوطها النحتية إلى ارشف الذاكرة، والى ذلك العمق في الزمن والى استحضار أولئك الأوائل من المبدعين، هي التي تدفعنا اليوم إلى مقارعة صناعة الآلة بهذه الروح التي يحتفظ بها الخشب.. انها علاقة بقاء وانتصار لقوى الإنسان الطبيعية دون تدخل الآلة وحدتها..

الأبواب القديمة في الإمارات

تتوزع اليوم في الإمارات مجموعة كبيرة من الأحياء السكنية القديمة، والبيوت الأثرية التي تحولت بعد ترميمها إلى مراكز ثقافية ومتاحف وهيئات لمؤسسات مدنية، هذه البيوت لا تخلو من الخشب في أبوابها وشبابيكها وميازيبها، وكلها لا تخلو أيضاً من تلك الروح الإبداعية، وآثار أنامل النجارين الذين رسموا عليها نقوشا وخطوطا بالتطعيم والحفر، وكلها نقوش لم تخرج من رؤى الفنون الإسلامية التي تشربها المبدع المسلم عبر تمازج ثقافات الشعوب.

باب الأزهر

يعد باب الجامع الأزهر الذي أمر الحاكم بأمر الله بصناعته لهذا الجامع ويحتفظ به الآن متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، واحدا من الأبواب الأثرية الشاهدة على تلك الفنون والإبداعات. كما ادخل المسلمون على صناعات الخشب مواد مختلفة مثل النحاس والبرونز والحديد المصبوب.

مرعي الحليان