اكتسب الطربوش في مصر منذ أوائل القرن 19 وحتى قيام ثورة يوليو عام 1952، دلالة قومية وتاريخية وثقافية باعتباره كان رمزا في مواجهة قبعة الأوروبيين خلال هذه الفترة، التي كان خلالها الطربوش صاحب مكانة رفيعة ومحاطا بحماية كاملة من القانون، حيث كان اعتماره ملزما لكل الموظفين وكبار رجال الدولة والباشاوات وحتى الطلاب في المدارس، كما كان يمثل بالنسبة للرجال هيبة وقيمة، فيما كانت محلات بيعه قبلة للناس..

واليوم - رغم غيابه عن الرؤوس طويلا منذ قرار الرئيس جمال عبد الناصر بعد ثورة يوليو بإلغاء إلزامية ارتداء الطربوش، ليصبح المصريون والفئات الأخرى أحرارًا فيما يرتدون على رؤوسهم باستثناء «الطربوش الأزهري» العمامة المنتشرة الآن بين طلاب وشيوخ الأزهر الشريف.. يصر الطربوش المصري على أن المجتمع سيحتاجه من حين إلى آخر حتى ولو على رؤوس الممثلين والكومبارس، ولن يستطيعوا قطع آخر شعرة بينه وبين هذا العالم.

وما يؤكد ذلك أنه في حي الغورية بالأزهر الشريف مازال الطربوش موجودا وكذلك أشهر صناعه «الحاج أحمد محمد وأولاده» منذ بداية العام 1913 في عهد الوالي سعيد باشا، وعلى الرغم من تجاوز «الأب» سن الثمانين، فلا يزال يباشر مهام صناعة الطربوش ويساعده ولده الأكبر «محمد» الذي ارتضى لنفسه أن يكون أستاذًا بالجامعة، ورغم مهامه العلمية لكنها لم تشغله لحظة عن متابعه صناعة مهنة «الطربوش» فهي - على حد تعبيره - ميراث يجب الحفاظ عليه مهما كلف الأسرة من استنزاف في المال وجهد في العمل وراحة للشيخ الكبير.

تحدث محمد عن مهنة صناعة الطرابيش فقد عاشها منذ طفولته، وأصبحت النصف الآخر من عمله، وقبل أن يسترسل رفع نظره إلى صورة الوالد التي تتزين بها أركان المحل ثم يلتفت خلفه قائلاً: من يسكن هنا بجوار الأزهر تدب في روحه قوة لا يشعر فيها بالشيخوخة فمن بابه التاريخي الإسلامي دخل وخرج شيوخ عظماء في مصر وظلوا شبابا حتى في شيخوختهم، صنعنا بأيدينا لهم «الطربوش» وكانوا يرتدونه بمثابة فرض وإلزام.

قصة صناعة الطربوش لها تاريخ طويل، بدأت ـ كما يقول الابن الأكبر محمد ـ حين أصدر الوالي سعيد باشا فرمانًا بخصم قرش صاغ من كل موظف حكومي يخصص لإنشاء مصنع أهلي لصناعة خام الطربوش حيث كان يتم استيراد الطربوش في ذاك الوقت من دولة النمسا.

يستطرد: بإنشاء هذا المصنع، تم إنتاج أنواع مختلفة من الطرابيش أطلق عليها أسماء «الوادي» و«النيل» و«الجمهورية»، وكانت هذه النوعية تضاهي الطربوش النمساوي في ذلك الوقت، ولكون الطربوش كان بمثابة التاج الملكي «إلزاميا ملكيا» لعامة المصريين الذين يعملون في المصالح الحكومية والجيش والشرطة وجميع الوزراء حتى سفراء وقناصل الدول الأجنبية والعربية في مصر، فقد أحدث هذا الإلزام الملكي نهضة في صناعة الطربوش ورواجا لسوقه، مما انعكس بالثراء على صناعته.

قناعة صانع.. وأصالة آلة

أبناء الحاج أحمد ما زالوا يمارسون صناعة الطربوش على الرغم من عدم جدوى صناعته حاليا ـ كما يقولون ـ لعدم إقبال المصريين على ارتدائه، وعن سر استمرارهم في هذه الصناعة بينما كان من الممكن أن يستثمروا محلهم الذي يضم بداخله أشكالا مختلفة من الطربوش في مجال آخر يدر عليهم مالاً وفيرا، يقول الابن الأكبر: هذا المحل يؤرخ لصناعة الطربوش عبر العصور وليس من السهل نسيانه أو اندثاره، ولكن يبقى في النهاية قناعة صانع، وأمانة مهنة، وأصالة آلة..

هنا يشير الابن الأكبر بيده إلى الآلة التي يقف أمامها صانع الطرابيش، ويقول: من حق هذه الآلة أن تدخل موسوعة الأرقام القياسية قد سجلت رقما قياسيا اقترب من المئة عام، ومازالت تعمل حتى الآن فهي آلة مصرية النشأة والمولد والموطن يعود أصلها إلى الدولة العثمانية، وانتشرت في عهد محمد على باشا والي مصر، ومازالت تحتفظ بأصالتها، كما لم يحدث أي تغيير في عناصر صناعة الطربوش التي تتكون من «خوص» و«جلد» و«طاقية من الحرير» و«زر» أيضاً من الحرير على أن يكون لونه أزرق أو أسود، أما مواصفات صناعته أن تكون «عمامة» أو «أفندي».

عصر الأناقة

إذا كانت الرؤوس التي ارتدت هذا الطربوش قد شهدت عصر الأناقة، وسجلت صناعة الطربوش عائدات مادية كبيرة نهضت بحياتهم، حيث كان فقراء مصر هم الوحيدون الذين لا يرتدون الطربوش لضعف قدرتهم المالية، لكن الفقراء كانوا يشعرون بالسعادة عندما كان يرتدون الطربوش في ليلة زفافهم، وفي هذه اللحظة فقط يشعرون أن طربوشهم يتساوى مع طربوش كبار أغنياء مصر.

.. وماذا عن حالة اليوم؟

كمثل أي صناعة طرأ عليها متغيرات كثيرة، فقد شهدت الصناعة في مصر تراجعًا كبيرًا ولكن مازال محل الحاج أحمد يفتح بابه، ويصنع طربوشه، وسألناه عن حالة اليوم؟ يقول الابن الأكبر للحاج أحمد: حالة اليوم كساد تام، والطربوش في طريقه لأن يصبح من الآثار المصرية القديمة، خاصة في ظل تخلي الأحفاد عنه وهم معذورون لأنهم لم يعيشوا عصره.

وقال: هناك ثلاثة أنواع من الطرابيش «مغربي وشامي ومصري»، ولكل منهم شكل يميزه عن الآخر مثلا «المغربي» أفندي قصير، أما «الشامي» يرتديه صاحبه على عمامة بيضاء طولها خمسة عشر مترا من الشاش الأبيض، أما النوع الثالث «المصري» فهناك نوعان منه الطربوش الأفندي المصري المتداول في الأذهان الذي يظهر اليوم في الأفلام المصرية القديمة، والنوع الثاني منه هو «الأزهري» الذي يرتديه حاليا دعاة الأزهر وطلابه في المدارس الأزهرية وأئمة المساجد ويسمى حاليا بـ «العمامة»، ولعل الطربوش الأزهري المسمى بـ «العمامة» هو الذي يحرك الآلة الصناعية داخل أول وآخر محل يضيء اليوم الشمعة رقم 96 من عمله في صناعة مهنة الطرابيش.

تراجع صناعة الطربوش

لم تستمر صناعة الطربوش طويلاً فقد لحقت بها هزة كبيرة أضعفت قوتها حين قامت ثورة يوليو 1952، وأصدر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قرارا بإلغاء إلزامية وضع الطربوش، وأصبح المصريون والفئات الأخرى أحرارا فيما يرتدون على رؤوسهم باستثناء الطربوش الأزهري «العمامة» بلغة الأزهر الآن التي مازالت منتشرة على رؤوس وطلاب وشيوخ الأزهر.

عصر الازدهار

أزهى العصور التي عاشها طربوش مصر كان في عهد الملك فؤاد، وجاء من بعده الملك فاروق فقد كان لهذا الطربوش، كما يقول الابن الأكبر، احترامه ووقاره، ووصل به الأمر في عهد الملك فاروق بإلزام الموظف الحكومي باعتماره أثناء عمله، وإذا تم ضبطه دون اعتماره يصدر قرارا بفصله فورا، ولم يقف الإلزام الحكومي على مجرد وضع الطربوش فقد صدر قرار آخر بفرض اعتماره على الزي التعليمي لأطفال المدارس حتى وصل الأمر إلى أن أطلق على عصر فاروق ب«عصر الأناقة».

شريف أبو الوفا