وَجَّهَ التلفزيون مع ظهوره في معظم البلدان العربية أوائلَ الستينات ضربةً قوية لسهرات الناس في البيوت والمضافات، وبالأخص لدى أهل الريف الذين لا يرتبطون بوظيفة رسمية تقتضي منهم أن يذهبوا في وقت مبكر إلى العمل، ولا يعملون في صناعة أو تجارة.. أو أي شيء يحتاج إلى دوام منتظم.

خطيب بدلة: أهل الريف، معظمهم فلاحون مزارعون، يزرعون الأرض ويحصدونها في زمن لا يتعدى مجموعُه شهرين في السنة، ويجلسون في الشهور العشرة المتبقية يصارعون الزمن الذي يمر بطيئاً متمهلاً، كئيباً، وبالأخص في ليل الشتاء الذي شبهه امرؤ القيس ببعير يجثم فوق صدر الرجل نائخاً عليه بأردافه وكلكله حتى يكاد أن يخنق أنفاسه! إن مساحة الريف في البلدان العربية أكبر بكثير من مساحة المدن، لا بل إننا إذا أردنا أن نضع للمدينة مقومات محددة، أو نقارنها بنموذج المدينة الغربية المُحَدَّثة، قد لا نجرؤ على إطلاق اسم مدينة إلا على العواصم الكبرى وبعض المدن التي تقاربها في الحجم والمستوى، وهذه الأخيرة غالباً ما تكون طبيعتها وعلاقاتها متأرجحة بين نمط المدينة ونمط الريف.

في حلب مثلاً، وهي ثاني مدينة سورية بعد دمشق، توجد حارات طويلة عريضة كان سكانها قد أتوا من القرى، واحتفظ كل منهم لنفسه بلهجته وعاداته وتقاليده، فحينما يدخل المرء إلى الحارة يفاجأ بأن سكانها يعرفون بعضهم البعض، وبينهم علاقات نسب وقرابة، وسواقي المياه الآسنة تمر في الأزقة، والأولاد بهيئاتهم القروية يلعبون ألعاباً خشنة، وحينما يدخل أحد البيوت، بوصه ضيفاً، سرعان ما يُجلسونه على المَدّة العربية، ويوضع أمامه سماط من النايلون، ثم يؤتى بطعام الغداء، وبعدها يؤتى بالشاي، وتدور أحاديث متفرقة عن الزراعة وأحوالها، ثم يبدأ إطلاق النكات التي تتضمن عادة إحالات إلى أناس يقيمون في القرية، أو نزحوا إلى حلب مع مَنْ نزح ويسكن حالياً في هذه الحارة نفسها.

مضافة للظرفاء فقط

وأما في بلدة إدلب، التي يمكن اعتبارها أصغر مدينة، أو أكبر قرية في سورية، فقد عُرف عدد كبير من الظرفاء الفطاحلة الذين ما تزال أسماؤهم تتردد بين الناس حتى الآن، وطرائفهم تروى وكأنها طازجة.

من هؤلاء رجل يدعى »الحاج سليم« كانت له مضافة في الحارة الشرقية كتب على بابها الخارجي تحذيراً مهما ينص على أن من يريد أن يدخل إلى هذه المضافة فليدخل على الرحب والسعة شريطة أن يكون مستعداً لتلقي المزاح، وألا يستسلم للنعاس أثناء السهرة، وألا يتحدث في شؤون الحياة اليومية التي تجلب الغم وتوجع الرأس، وإذا كانت لديه قصة مضحكة ومبهجة عليه أن يرويها دون إبطاء، أو تأتأة، وإذا كانت لديه قصة تخانة، بائتة، فما عليه إلا أن يذهب إلى البيت ويحكيها لزوجته!

ذات يوم، وقعت في إدلب حادثة كان للحاج سليم دورٌ كبير في التخطيط لها، فقد اتفق مع مجموعة من الشبان الذين يمتلك آباؤهم دكاكين في ساحة البلدة، وابنه »ابراهيم« واحد منهم، أن يتسلل كل واحد منهم إلى داره بعد صلاة العشاء، ويسرق مفتاح الدكان من جيب والده، ويأتي إلى الساحة في موعد محدد. وحينما تم الأمر بنجاح فتحوا الدكاكين كلها، وبدلوا الأقفال فيما بينها، فجعلوا قفل دكان أحمد، مثلاً، مربوطاً بدكان عبد الله، وقفل دكان عبد الله مربوطاً بدكان.. وهكذا،.. ثم أعاد كل منهم مفتاح الدكان إلى جيب أبيه دون أن يدعه يشعر بذلك.

في الصباح، عند الموعد اليومي لفتح الدكاكين، اجتمع أهل البلدة عن بكرة أبيهم ليتفرجوا على أصحاب الدكاكين وكل واحد منهم يحاول إدخال مفتاحه في فتحة القفل فلا يستجيب له، ثم يهرع إلى جاره ويطلب منه مفتاحه ليجربه على قفل دكانه، عسى أن يدور فيه، ثم يجرب مفتاحاً آخر، فآخر..

استمر المشهد أكثر من ساعة حتى أعيدت المفاتيح إلى أقفالها.. وأما الحاج سليم فقد استلقى على قفاه من الضحك، وقال لهم:

- منذ أكثر من عشرين سنة ونحن نفتح هذه الدكاكين صباحاً ونقفلها مساء، ويستحيل أن يتذكر الواحد منا شيئاً مميزاً عن عملية الفتح والإقفال الروتينية هذه. ولكنني أراهن أن ما جرى اليوم سينحفر في ذاكرتنا إلى آخر العمر!

رجل بَيْتوتي

وكان في البلدة رجل لطيف ومهذب يدعى (أبا إسماعيل الزرعجي)، لا يأتي إلى المضافة إلا لماماً، فهو رجل- كما يقولون - »بَيْتُوتي«، ملتزم بأسرته، ويحب أن يسهر عند أحد أقاربه أو أصدقائه برفقة زوجته، على عكس معظم الرجال الذين كانوا يتباهون بأن واحدهم لا يأتي إلى الدار إلا بعد أن يتأكد من أن أم العيال نامت لكي يتجنب نقيقها وطلباتها غير المتناهية. وفي يوم من الأيام التقى الحاج سليم بأبي إسماعيل وطلب منه أن يأتي ويسهر في المضافة فاعتذر، ألح عليه، فكرر اعتذاره، ووقتها هدده قائلاً:

- إذا لم تحضر سأجعلك تندم!

قال أبو إسماعيل: ما دمت تهدد.. أعلى ما بِخَيلك اركبه!

وغادره ومضى، بينما توجه الحاج سليم من توه إلى جامع الساحة. استدعى المؤذن، ونقده مبلغ ليرة سورية، وكان لليرة السورية قيمة شرائية ممتازة في تلك الأيام، وطلب منه أن يرفع الأذان معلنا وفاة أبي إسماعيل الزرعجي!

قال المؤذن: دايم الله. صدقني كان رجلاً طيباً. وصعد إلى المئذنة وأعلن وفاته.

وما هي إلا بضع دقائق حتى أصبح ربع سكان البلدة على الأقل أمام منزل أبي إسماعيل، يريدون أن يكسبوا ثواب تجهيزه ثم دفنه، وحينما وجدوه حياً ارتسمت ابتسامات خجولة على أفواههم، وغادروا المكان، وأما هو فقد عرف مصدر العطب، وقال لنفسه: عملها الحاج سليم!

ومع ذلك لم يخضع للابتزاز، وسرعان ما أرسل خبراً إلى الحاج سليم يخبره فيه أنه لن يأتي من الآن فصاعداً إلى المضافة، وأنه الليلة سيسهر مع زوجته حبيبة قلبه أم إسماعيل خارج البيت، وأن بإمكانه إذا شاء أن يبلط البحر!

عملية تبليط البحر

الكلمة الأخيرة التي وردت في كلام الرسول القادم من طرف أبي إسماعيل أوحت للحاج سليم بفكرة على قدر كبير من الأهمية والخطورة.

تمتم قائلاً: نبلطه! أين المشكلة؟

وما ان غادر الرسول حتى نادى على أفراد شلته وأفهمهم ما يجب عليهم أن يفعلوه انتقاماً من أبي إسماعيل الزرعجي.

استأجروا عربة شاحنة صغيرة، وضعوا فيها كمية من (البلوك) المخصص للبناء، وكمية من الرمل الأبيض الناعم، وأكياساً ملأى بالإسمنت، واصطحبوا معهم معماراً وذهبوا إلى منزل الزرعجي، وخلال أقل من ساعة عمروا فتحة الباب، فأصبحت تشبه الحائط. وتوزعوا مختبئين في الزوايا المحيطة بالدار، وحينما وصل مع زوجته شاهدوه بأمهات أعينهم وهو يتحسس مكان الباب بيديه، ويقول لامرأته مشيراً إلى دار الجيران:

أليست هذه دار أبي عبدو المحمود؟

قالت: بلى.

قال: وهذه، أليست دار مصطفى الصطوف؟

قالت: بلى.

قال: ألم تكن دارنا في الوسط بين الدارين؟ فأين اختفت؟!!

الهروب إلى النكتة

إن الإنسان كائن قوي وشجاع، وفي أغلب الأحيان ينتصر على ظروفه بالكلمة اللطيفة أو الطرفة الخفيفة الظل، لذلك فإن علماء الاجتماع وجدوا أن أفضل الأسلحة وأكثرها مضاء في مقارعة الملل والكآبة لدى الانسان هو النكتة، النكتة غير المحفوظة والمكرورة التي تضيف إلى الملل مللاً، بل النكتة المبتكرة التي يفخر صاحبُها بأنه مبتكرها، وبأنه يرويها على نحو متقن بارع يختطف الضحكات من الأفواه، بل القهقهات

الطرائف التي تروى عن ظرفاء بلدة إدلب السورية في عصر ما قبل التلفزيون لا تعد ولا تحصى، ولكن ما جرى حينما حضرت للحاج سليم أحد ظرفائها الفطاحل الوفاة هو أمر يستحق أن يروى.

فقد عرف أصدقاؤه بأنه يحتضر، فجاؤوا إليه، وجلسوا حوله ساكتين وكأن على رؤوسهم الطير، والحزن يعتصر نفوسهم. فجأة ذرف الحاج سليم بضع دمعات سالت على خديه، فبكى الأصدقاء ومسحوا دموعهم بمناديلهم، دون أن يستطيعوا أن يقولوا شيئاً. وبعد عدة دقائق قال لهم:

هل تعرفون لماذا أبكي؟

قالوا: لماذا؟

قال: إذا مت أنا فمن سيضحك عليكم بعدي؟

فما كان منهم إلا أن انفلتوا بالضحك بينما كان هو يغادر الحياة!