غالباً ما يعمد القراء والنقاد، على السواء، على امتداد العالم، إلى الإحجام عن إبداء اهتمام حقيقي بالإصدار الأول لأي كاتب، وهذه القاعدة تنطبق بشكل خاص عندما يكون هذا الإصدار رواية أو مجموعة قصص قصيرة.
غير أن رواية «الأخت» للكاتبة البريطانية بوبي آدمز تشكل استثناء من هذه القاعدة، حيث أثارت اهتماماً كبيراً فور صدورها، ربما لأن موضوعها الغريب وغير المألوف قد استقطب الأنظار، حيث إن البطولة فيها تنعقد فيها لامرأتين أوغلتا في مسيرة العمر، وذلك في مجتمعات غربية تتألف غالبية سكانها من أناس في المرحلة العمرية ذاتها. نحن في البداية مع الأختين جيني وفيفيان اللتين تستعدان للم شملهما بعد فراق دام أكثر من نصف قرن، الأمر الذي يطلق العنان لفيض هادر من الذكريات المؤلمة في دارة عائلة ستون العتيقة المفعمة بأجواء الرهبة. كانت جيني وأختها فيفيان قد عاشتا طفولة ريفية في غربي دورسيه بانجلترا، إلى أن أوشكت فيفيان على أن تلقى حتفها في حادثة تعرضت لها، عندما كانت جيني لا تزال في الحادية عشرة من عمرها وفيفيان في الثامنة من عمرها، وفي وقت لاحق تتعرض الأختان للطرد من المدرسة، فتمضي فيفيان وهي في الخامسة عشرة من عمرها للإقامة في لندن بينما تبقى جيني في دارة العائلة للتعويض عن ادمان أمها، مود، للكحول، وللقيام بمساعدة أبيها، كليف، في أبحاثه على الفراشات.
بعد وفاة مود ومرض كليف بالخرف، تقيم جيني بمفردها في الدارة الرحبة مستغرقة في عملها كعالمة اختصاصية في الفراشات من دون أي اتصال يذكر بالعالم خارج الدارة والمحيط المباشر بها، وهي العزلة التي تزداد كثافة كلما تألقت عبقريتها في عالم الأبحاث والدراسات التي تعكف على انجازها.
غير أن هذا كله ينهار ويتداعى مع قدوم فيفيان للإقامة في دارة العائلة الفسيحة، حيث تطفو على السطح أسرار ظلت مدفونة في الأعماق طويلاً، ونحن نطل على جانب من هذه الأسرار من خلال سرد جيني بدقة علمية لتداعي حياة عائلتها البطيء وصولاً إلى الانهيار النهائي. ونتوقف طويلاً عند البراعة التي تقدم بها المؤلفة صوت جيني، وهو ينقل لنا تفاصيل هذه الدراما العائلية النفسية، وصولاً إلى الخاتمة التي تبعث الرعدة في الأوصال.
هذه الرواية، المفعمة بالإثارة والأحداث والانعطافات المفاجئة، تروى من منظور جيني المحدود، وتركز على تردي الأبوين إلى السلوك السادي، إلى أن تقع الحادثة التي تتعرض لها فيفيان والتي تسفر عن حرمانها من القدرة على الإنجاب، والقارئ يشعر بالصدمة حقاً عندما يكتشف أنها أعدت خطة تتضمن قيام زوجها بإنجاب طفل من أختها بدلاً منها.
هكذا فإن القارئ يجد نفسه في غمار مناخ حافل بالألغاز، لكنه في غمار هذا المناخ تتكشف جوانب من عيوب الرواية فالتعقيدات الدرامية النفسية تبدو أقرب إلى القطع المقررة والمكررة منها إلى الصراعات الأصيلة بين البشر. غير أن هذا العيب وغيره من العيوب التي تتكشف في الرواية لا تقلل من بهاء هذا العمل الأول ولا تألقه، الأمر الذي انعكس في النطاق الهائل من التعقيبات عليه المفعمة بالحماسة والإعجاب.
ها هو الناقد هار لان كوبين يبدي إعجابه الواضح بالرواية قائلاً: «هذه الرواية الغنائية والتي لا تفارق الذهن والتي تدور حول أختين وماضيهما المفعم بالمتاعب والأسرار الرهيبة التي ترغبان كلتاهما في دفنها ستبقى معنا طويلاً بعد إغلاق الكتاب».
وبدورها تقول كارين سلوتر: «هذه الرواية حكاية متوترة تدور حول الصلات التي تربط أختين، وفي بعض الأوقات تربطهما بإحكام أكثر من اللازم». وتقول مرجريت فلانجان: «رواية إثارة رهيبة على نحو أصيل، وهي عمل معاصر يثير الرعدة في الأوصال». وفي تحليل مطول للرواية في صحيفة «وول ستريت جورنال» نقرأ: »لدى بوبي آدمز الكثير مما تقدمه، فهناك الأسلوب النثري الجذاب والثروة الهائلة من الأحداث والدقة في التحليل النفسي».
وتلقي «واشنطن بوست» الضوء على جوانب أخرى في الرواية حين تقول: «هذه الرواية بأسلوبها النثري وحبكتها المحكمة وأجوائها النفسية المعتمة تشبه أفضل أعمال روث رندل، والمؤلفة تكتب نثراً متألقاً وتنسج ببراعة الأحداث مع ما يبدو أنه معرفة لا ينضب لها معين بعالم الفراشات». ونقرأ في عرض للرواية تقدمه «نيويورك تايمز» ما يلي: «تجعل بوبي آدمز من جيني راوية لا يعتمد عليها إلى حد كبير بحيث إن القارئ يفقد توازنه بصورة مستمرة».
ونتوقف عند الرأي الذي تطرحه «فاينانشيال تايمز» في الرواية، حيث تقول: «رواية أولى مذهلة، وهي أيضاً بطريقتها الهادئة رواية حافلة بالأفكار. وعندما تتأمل جيني في القالب الذهني التحليلي والعلمي الذي ورثته عن أبيها، فإن من الصعب ألا يفكر المرء في كيتس ولمسة الفلسفة الباردة التي تفكك شعر الظاهرة الطبيعية وقد خاطرت بوبي آدمز عندما قررت أن تروي قصتها بصيغة مسطحة ومجردة لامرأة كرست حياتها لحشرة لا يعرف عنها الكثير». ولكن هذه الصيغة مقنعة وصادقة، ومما يحسب للمؤلفة أنها تبقي على هذه القدرة على الإقناع».
وتضع مجلة «ليتراري ريفيو» يدها على قلب الحقائق عندما تقول عن هذه الرواية: «عائلات لحق بها الضرر، دراما نفسية وأشباح من الماضي تضج بها الرواية. وتنجح المؤلفة في أن تبني ببراعة مناخاً حافلاً بالمفاجآت التي تزحف وصولاً إلى الذروة الحادة».
وتقول «ديلي ميل» عن الرواية في إيجاز دال: «هذا كتاب معتم، ولكنه طريف إلى حد بعيد، يعيد إلى الأذهان مارك هادون وبربارة ترابيدو. انها رواية أولى متألقة في نسيجها وإيقاعها». أياً كان الأمر، فإن القارئ يجد نفسه حيال رواية «الأخت» مع عمل يحطم كل القواعد، وفي مقدمتها أن العمل الأول لا يستحق الاهتمام إلا بالكاد، فهي رواية جديرة بأكثر من قراءة وعلى أكثر من صعيد.
الكتاب: الأخت
تأليف: بوبي آدمز
الناشر: راندوم هاوس، لندن، 2008
الصفحات: 304 صفحات
القطع: المتوسط
The Sister
Poppy Adams
Random House، London، 2008
p. 304

