مَن من البشر لم يخفق قلبه يوما، ومن منا لم يكتب تلك الرسالة الأولى لحبيبه، ومن لم يحلم يوما بصورة من يحب؟
في مراحل مبكرة من تجربة الكتابة كنت أشارك في ملتقى للشعر تقيمه الجامعة كل سنة للأدباء الشباب، وكان ينخرط في ذلك الملتقى شباب يمثلون أطيافاً سياسية يعلو صوتها وسط هتافات وتصفيقات ومخبرين ومنظرين وحملة مثل عليا وعشاق وبعض مارة المكان، جميعهم كانوا يتنفسون ذات الهواء تحت سقف ملتقى الشعر.
في تلك المرحلة كان يرعى الملتقى بعض الأفاضل من أساتذة الجامعة وكان الجميع يلتفون حولهم طلبا لنصائح نقدية أو بحثا عن مباركة لكتابة تتخذ من قضية عالمية هدفا لمؤازرتها والدفاع عنها، ويومها كانت قضايا العالم حاضرة في الكتابة الجديدة من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا مرورا بالجبهات بماركسيي أوروبا وصولاً إلى فلسطين، كانت القضايا كثيرة وكانت التربية السياسية تشجع على الانخراط فيها أو الكتابة عنها.
ذات ملتقى قرأت فيه نصاً عاطفياً، وسط قراءات زملائي التي تتخذ من القضايا الكبرى هاجسا وهماً أممياً، وكنت نشازا واضحاً في جوقة الثوريين، وعلاوة على ذلك لم أحظ باهتمام من لجنة ميولها تذهب نحو شعر يناضل وشعارها الدائم الأدب في خدمة المعركة، ولكني كنت قد فزت بإعجاب بعض العشاق، بل إن البعض منهم طلب مني نسخة من قصيدتي.
في دردشة جانبية قال لي أحد أعضاء لجنة الملتقى «لن تكون شاعراً مهما، ان لم تكتب عن قضية إنسانية كبرى» أذكر أني قلت له جوابا أثار استغرابه الشديد فقد كانت قضيتي الكبرى وأنا في تلك السن الحالمة ان أضرب موعدا مع ابنة الجيران، تلك التي تبادلني النظرات والتلويحات، تلك التي انطبعت ملامح في ذاكرتي وانعكست على قصيدتي، في تلك الأوقات كانت فتاتي هي قضيتي الكبرى.
الحب ضد الحرب وضد الكراهية والذين يعيشون على الكراهية أو يكبرون معها ستبقى حروبهم قائمة، والشعر لن يغير كثيرا من وقع الدمار أو الخسران، وكلما كانت القضايا الكبرى متصالحة من وجدان الإنسان كان العالم آمنا والناس يعيشون بسلام، وعبثاً لن يتذكر الشاعر قضاياه الكبرى طيلة العمر، لكنه لن ينسى حبه الأول، أو لن ينسى خفقات قلبه الأولى.
