«المهم بالنسبة لي ألاّ أنظر إلى شخصيات أعمالي كضحايا. فالذي يثير اهتمامي بشأن الأشخاص الذين يتعرضون إلى ظروف قاسية ومجحفة، هو طريقة تمسكهم بالحياة ومحاولة خلقهم لحياة مشابهة تضفي على حياتهم معنى قدر المستطاع»، مقتطف من مقابلة للكاتب الهندي أميتاف غوش الذي حقق شهرة واسعة في عالم الأدب والنقد، من خلال رواياته التاريخية بشخصياتها الخيالية التي تعبر الحدود والحواجز والنفي والاغتراب التي فرضها المستعمر على آسيا عبر التاريخ.
ولد غوش في 11 يوليو عام 1956 في دلهي، ونظرا لعمل والده في الجيش الهندي فقد عاش طفولته في عدد من البلدان منها سيرلانكا وإيران وبنغلادش ومصر، وتلقى تعليمه في تلك البلدان، ليتابع دراساته العليا في لندن وليحصل على الدكتوراه في العلوم الإنسانية الاجتماعية من أوكسفورد. قرر بعد حصوله على الدكتوراه، امتهان الكتابة في الصحافة والأدب. نشر روايته الأولى «دائرة السبب» عام 1986 وتلاها عام 1990 برواية «ظل الخطوط» ومن ثم «كالكوتا كروموسوم» عام 1995، وبعدها بخمسة أعوام نشر روايته الملحمية التي حققت شهرة كبيرة له «القصر الزجاجي» عام 2000، ليتوج نجاحه مجددا بروايته «التيار الجائع» عام 2004 وأخيرا الجزء الأول من ثلاثيته (إيبيس) وهو بعنوان «بحر الجراء» ونشرت عام 2008 وتدور أحداثها قبل حرب الأفيون خلال مرحلة استعمار شرق آسيا.
حاز غوش على عدة جوائز عن معظم رواياته سواء في الغرب أو الهند، فروايته الأولى حازت على الجائزة الفرنسية (ميديسيس للمغتربين) التي تعد من أهم الجوائز في فرنسا، والجائزة الكبرى لأدب الخيال من ألمانيا عام 2001. وجدير بالذكر أنه رفض جائزة مؤسسة الكومنويلث لأفضل كتاب، وذلك لتصنيفه ككاتب من الكومنويلث الذي يصور المستعمر في النهاية.
تأخذ ملحمة غوش «القصر الزجاجي» القارئ في رحلة عبر الهند وبورما (ميانمار حاليا) وماليزيا من خلال ثلاثة أجيال تمثلها اثني عشر شخصية، عبر مئة وإحدى عشر عاما ابتداء من عام 1885 ومرورا باحتلال البريطانيين للهند ثم بورما والحربين العالمية الأولى والثانية وأفول الإمبراطورية البريطانية والنفوذ الأوروبي واحتلال اليابانيين لماليزيا في الحرب العالمية الثانية واستقلال الهند. وقد نسج غوش ملحمته حول العديد من المحاور، منها اكتشاف سبل الالتفاف حول الضغوط المفروضة على الإنسان وانتهاز الفرص المتاحة من جراء الاحتلال، إلى طبيعة المستثمرين، والآثار النفسية الناتجة عن التعصب العرقي وتجريد الآخرين من إنسانيتهم وفقدان الهوية، والتحول في الوعي الذي يقلب مسار التاريخ، إلى طبيعة الحياة والتقاليد التي تحكم كل بلد من تربية الأفيال والتعامل معها إلى صناعة الأخشاب ابتداء من قطعها وحتى تجفيفها وشحنها ومن ثم أشجار المطاط.
تبدأ الأحداث حينما تتوقف السفينة التي يعمل فيها الطفل اليتيم راجكومار في بورما لمدة طويلة لأعمال مرتبطة بالصيانة. وعليه يبحث راجكومار عن عمل في العاصمة ماندالاي، ويسعفه الحظ بالعمل في مطعم لدى سيدة مقابل غذائه ومبيته. ومن خلالها يلتقي بالصيني الشاب سايا جو وابنه ماثيو.
وخلال الأيام الأولى من وجوده في بورما، يحتل البريطانيون العاصمة وينفوا العائلة الملكية وحاشيتها خارج بلدهم إلى الهند. وخلال مغادرة العائلة لقصرها الزجاجي الذي استمد اسمه من القاعة المحاطة بجدران من الكريستال وسقف من المرايا، يلتقي راج بخادمة العائلة دولي التي يهواها قلبه.
ومع الاحتلال تتحول ماندالاي إلى مدينة للأشباح، وهكذا يذهب راجكومار بصحبة سايا جو إلى ماليزيا للعمل في تجارة الأخشاب في الغابات. وخلال تلك الفترة كانت العائلة الملكية المنفية تعيش في راتناجيري في الهند تحت مسؤولية حاكم المقاطعة وزوجته أوما التي تربطها صداقة متينة بدولي والتي ستمتد مدى حياتهما.
يحقق راجكومار نجاحا في تجارة الأخشاب، ويصبح من الأثرياء، ويذهب بعد مضي عشرين عاما إلى الهند بحثا عن دولي التي لم تفارق ذاكرته. ومن خلال أوما يلتقي بها ويتزوجا. وحينما تصبح أوما أرملة تقرر نذر حياتها للسفر وللتحول بعدها إلى أحد الأصوات القوية التي تنادي باستقلال الهند.
ومن خلال نقاشاتها مع حفيدها آرجون المجند في الجيش البريطاني، وبالتالي حواراته مع زملائه عن دورهما في الجيش البريطاني الذي يمدهما بالفخر والتفوق على الآخرين من شعبهم، وعن معنى تعلمهم لتقاليد البريطانيين ابتداء من لبأسهم إلى تناولهم الطعام بالشوكة والسكين إلى العادات الأخرى، مقابل كونهم أداة في حروب الانجليز وأطماعهم ليس إلا.
ومع احتلال اليابانيين لماليزيا، يعود راجكومار وسايا جو وعائلاتهما إلى بورما الحديثة، ليستقرا فيها. وتتعمق الصداقة بين أوما ودوللي وعائلة ساي جو من خلال الحب الذي يربط بين أبناءهم ومن ثم أحفادهم. وفي الأجيال الجديدة نجد نماذجا مختلفة من الشخصيات، منها المصور الحساس دينو والجندي أرجون وأليسون. ومن خلال الظروف السياسية تمر العائلة الكبيرة بالعديد من المحن التي تبرز تماسكها وترابطها وقوتها في مواجهة التحديات، لتأتي النهاية في الزمن المعاصر حينما تبحث جايا حفيدة دوللي على الانترنت عن عمها دينو العجوز.
الكتاب: القصر الزجاجي
تأليف: أميتاف غوش
الناشر: راندوم هاوس 2002
نيويورك
الصفحات: 512صفحة
رشا المالح

