يمثل كتاب «إمبراطورية الاختلاف» لمؤلفته كارين باركي دراسة مقارنة لأشكال التنظيم في إطار المسيرة الطويلة التي عرفتها الإمبراطورية العثمانية، وما عرفته من نجاحات ولكن أيضاً من أشكال فشل ذلك كله بالمقارنة مع مسارات الإمبراطورية الأخرى وفي مقدمتها الإمبراطورية النمساوية - الهنغارية حيث إن الإمبراطوريتين «زالتا» مع نهاية الحرب العالمية الأولى.
هكذا تتم دراسة التنظيم الاجتماعي العثماني وآليات عمل الإمبراطورية خاصة في اللحظات الحرجة من تاريخها والكيفية التي تمّ على أساسها بناء «مؤسسات ذات طابع إمبراطوري» مع وجود دولة مركزية قوية استطاعت في مختلف الظروف «تجنّب الأزمات» و«إدارتها بشكل جيد» عند وقوعها.
وبكل الحالات أيضاً تؤكد المؤلفة في تحليلاتها أن السلطة العثمانية اتسمت في جميع الفترات تقريبا بقدر كبير من «المرونة» و«استخدام تقنيات مرنة» في منظور المحافظة على شرعيتها.
وتعيد المؤلفة أسباب «طول عمر» الإمبراطورية العثمانية إلى تلك التقنيات المرنة التي استخدمتها حيث يتم التركيز باستمرار على عدة عوامل ساعدت العثمانيين على «استيعاب» آليات التبدل.
وفي مقدمة هذه العوامل «تعاون النخب» و«التفافها حول السلطة المركزية مع التأكيد بنفس الوقت على وجود أشكال من المعارضة ولكن ضمن إطار قدر من «التسامح» لم تكن تتحلّى به الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية. وعامل آخر يتم التأكيد عليه أيضاً لتفسير «الاستمرارية الزمنية» للإمبراطورية العثمانية وهو سيطرة السلطة على الموارد الاقتصادية للبلاد.
وبعد مقدمة للكتاب مكرّسة لتعريف «النموذج ـ الموديل ـ الإمبراطوري» تتوالى فصوله السبعة للبحث في «الملامح الأولى للإمبراطورية العثمانية» ثم «الصيرورة الإمبراطورية» المرسسات الإمبريالية والرقابة عليها فـ «المحافظة على الإمبراطورية» و«تعبير عن التسامح» و«التنظيم الاجتماعي للمعارضة وتحولات القرن التاسع عشر» و«السياسات المستقلة» و«مجتمع على هيئة شبكات في قطاعات التسويق والضرائب والزراعة والعلاقات الاجتماعية» وأخيرا «على طريق الإمبراطورية: الأتراك والنضال من أجل خلق دولة - أمة». هذه الفصول السبعة موزعة بين قسمين.
وتركز كارين باركي في تحليلاتها على دراسة حالة مدينة «سميرنة» العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وذلك من زاوية التنوع السكاني الذي اتسمت به من حيث الانتماء الديني والمكوّن اللغوي والثقافي. وتؤكد أن جميع هؤلاء السكان المعنيين «اندمجوا» في إطار تراتبية اجتماعية على خلفية القبول بمرجعيات مستمرّة حيال الغرب. لكن ذلك لم يمنع قيام بروز نزعات «قومية» لدى مختلف المجموعات بحيث أن كل واحدة منها تجسد بـ «أفضل ما يكون» الحضارة. ذلك منذ نهايات القرن التاسع عشر وعلى خلفية نهوض النزعات القومية في أوروبا نفسها.
وقد ضمّت مدينة سميرنة في العقود الأخيرة من حياة الإمبراطورية العثمانية أغلبية من المسلمين إلى جانب أعداد من المسيحيين اليونان- الارثوذكس والأرمن وبعض الأوروبيين. وكانت المدينة أقرب «ثقافيا» إلى أوروبا من العاصمة المركزية «القسطنطينية آنذاك».
أما ذلك «التنوع السكاني» فتتم إعادته إلى ازدهار اقتصاد المرافئ منذ نهاية القرن السابع عشر مما جذب كُثر إلى المدينة من مختلف مناطق الأناضول خاصة.
وكانت الأوضاع السياسية في منطقتي البلقان والقوقاز قد دفعت أعدادا كبيرة من سكان هاتين المنطقتين للهجرة إلى سميرنة مما زاد كثيرا من نسبة المسلمين فيها في نهاية القرن التاسع عشر. وما تؤكده المؤلفة هو أن مختلف المجموعات الاثنية ـ الدينية وجدت مرجعيتها في «أوروبا» مما جعل من المدينة أحد نقاط الوصل «التاريخية» بين الإمبراطورية العثمانية والغرب.
وبشكل أوسع تشير كارين باركي إلى أن التنظيم الاجتماعي الذي عرفته «سميرنة» وغيرها من مدن الشاطئ الشرقي «العثماني» لحوض المتوسط كان يشابه ما عرفته آنذاك مدن أوروبا الوسطى والشرقية. ذلك بوجود منظومة ذات نمط تراتبي واضح ينظّم العلاقات بين المجموعات المختلفة.
بالتالي لم تكن حالات «الفوضى» سوى مظاهر «على السطح» ودون أي عمق حقيقي. تلك التراتبية الاجتماعية تراها المؤلفة «مستوردة» من أوروبا. لكن ذلك لا يمنع واقع التأثر بالحياة السياسية داخل الإمبراطورية العثمانية وبالسياسات الدولية.
لا شك أن هذا الكتاب يشكل مساهمة في العمل على فهم آليات تكوّن الإمبراطوريات وازدهارها وانهيارها. ذلك عبر دراسة ستة قرون من تاريخ الإمبراطورية العثمانية ومن الدراسة المقارنة مع مسارات الإمبراطورية المجاورة.
وأيضا دراسة الماضي في منظور حاضر ومستقبلي لإمبراطورية تعتبر المؤلفة أن السرّ الأكبر في حياتها الطويلة يتمثل في قدرتها على التأقلم مع المتغيرات ومع تبدّل الظروف الداخلية والخارجية. فالإمبراطورية العثمانية هي أحد أكثر أمثلة أنظمة الحكم الأكثر نجاحا والأكثر استمرارا على قاعدة الشرعية وفيما يتجاوز التنوع العقائدي واللغوي والثقافي لمكونات رعاياها.
الكتاب: إمبراطورية الاختلاف
تأليف: كارين باركي
الناشر: جامعة كامبردج -
2008
الصفحات: 358 صفحة
القطع: المتوسط
Empire of difference
Karen Barkey
Cambridge University Press- 2008
358 P.
