العولمة ليست «اختراعاً» جديداً لم يعرفه العالم من قبل. هذا ما يؤكده مؤلفا كتاب «الافعوان ذو الرؤوس المتعددة» «تنين برؤوس متعددة».

ذلك تحديدا فيما يتعلق بالعولمة الاقتصادية، إذ قامت منذ عدة قرون مجموعات للتجارة الأوروبية أرادت أن يكون لها بعد عالمي، وليس مجرد بعد محلي أو إقليمي. وقد أخذت تلك المجموعات تسميات مختلفة مثل «الشركة الألمانية للهند الشرقية» و«شركة فيرجيني» وغيرهما. وبجميع الحالات كان الهدف واحدا وهو إنشاء «إمبراطوريات ما وراء البحار» تعود ملكيتها إلى شركات عملاقة أو إلى الحكومات مباشرة.

تلك «العولمة» بصيغتها القديمة التي تعود إلى الفترة الواقعة بين القرن الخامس عشر والقرن الثامن عشر، تميّزت من جهة بدعم الحكومات «ذات التطلعات الإمبريالية» لها، ولكنها واجهت بنفس الوقت مقاومة حقيقية «جرى التعتيم عليها»، كما يؤكد المؤلفان. وقام بتلك المقاومة بحارة وحرفيون ومزارعون ومستثمرون صغار وقراصنة. هؤلاء كلهم انضووا تحت لواء شعارات «ثورية» باسم النضال ضد استغلال الشركات «الأوروبية» الكبرى. ومن هنا تحديدا جاء العنوان الفرعي للكتاب: «التاريخ المخبوء للمجال الأطلسي الثوري».

ويؤكد المؤلفان أن فهم تاريخ العولمة الاقتصادية بالصيغة التي انتشرت فيها في المجال الأطلسي خلال القرون المعنية يستدعي التعرف على مدلولي «رمزين» يتكرران في الأدبيات الاقتصادية الخاصة بتلك الفترة وهما «هرقل» و«الأفعوان الخرافي ذو الرؤوس المتعددة «. بالنسبة لـ «هرقل» فإنه يرمز لاستمرار النظام الاجتماعي وتوحيد المناطق المعنية وقوة الفاتحين الجدد.

أما الرمز الآخر «الأفعوان» فيدل على النقيض، أي على الفوضى وحيث بدلا من كل رأس قد يقطعه هرقل تنبت عشرة رؤوس. والمنضوون تحت لواء هذا الرمز يتم وصفهم أنهم «المجرمون المنبوذون والمتزمتون العقائدون والقراصنة والعمّال في المدن والجنود والبحّارة والعبيد من الأفارقة»، كما يقول التاريخ المعروف اليوم، والمكتوب من وجهة نظر «هرقل»، كما يشير المؤلفان.

مثل هذا التوصيف والتصنيف يرفضه مؤلفا هذا الكتاب، ويؤكدان على أهمية كتابة التاريخ من وجهة نظر «الشعوب»، على غرار ما كان قد فعله المؤرخ الأميركي «هاورد زن» عندما كتب عمله الشهير «التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأميركية».

أما هدفهما من عملهما التاريخي فيحددانه بوضع حد نهائي لـ «الطمس التاريخي» لدور «الطبقة العاملة ـ البروليتاريا ـ الأطلسية«. ولا يترددان في اعتبار أن هذه الطبقة «المجهولة» و»المهملة» والتي اتسمت بقدر كبير من «التنوع الاثني والاجتماعي» «لعبت دورا جوهريا في وصول الرأسمالية والاقتصاد العالمي الحديث».

ويشرح المؤلفان تاريخ «الانتفاضات» التي قامت على مستوى القواعد في مواجهة مخططات السيطرة الاقتصادية والتوسع الإمبريالي. وهكذا يتم تحديد السياقات التي جرت بها وأماكنها وقادتها ونوعية الذين انخرطوا فيها. ذلك بالإضافة إلى رسم صورة عمّا كانت عليه أشكال التجارة في تلك الحقب الأولى من المبادلات بين قارات العالم، وفيما هو أبعد من الحدود الوطنية للدول المعنية وأيضا فيما هو أبعد من التمايزات العرقية أو الطبقية أو العقائدية.

وتذهب التحليلات إلى القول أن بعض الرجال والنساء ممن انخرطوا في مجموعات «القرصنة» تلك، وما مثّلوا بنظر المؤلفين «طبقة عاملة ? بروليتاريا- أطلسية»، وضعوا خبراتهم ومؤهلاتهم فيما بعد في خدمة الثورة الأميركية. هكذا أيضا وجد «الآباء المؤسسون» للولايات المتحدة أنفسهم أمام واقع مشاركة «متمردي الأطلسي» في «انطلاق ودفع الحركة الثورية الأميركية».

ويتم التأكيد بالتوازي مع هذا أيضا التأكيد على أن للمعنيين دور أيضا في العديد من الانتفاضات الثورية مثل تلك التي عرفتها هاييتي، بل وفي الثورة الفرنسية الكبرى نفسها. ولم تكن بعيدة أيضا عن أحداث مشابهة في ايرلندة وبريطانيا.

إن هؤلاء «الصغار» رفعوا شعارات الحرية والعدالة التي وجدت تعبيراتها بعد ذلك في الثورة الأميركية. هذا ما رمز له «الأفعوان» والذي غدا تعبيرا عن مختلف أشكال التمرد والمقاومة. والوجه الآخر لهذا هو محاولة التعبير عن «الرأسمالية من أسفل» وما رافقها من توجهات ديمقراطية ومقاومات شعبية.

الكتاب: الأفعوان ذو الرؤوس المتعددة

تأليف: بيتر لينبوغ، ماركوس بوفور روديكر

الناشر: بيكون برس- بوسطن- 2008

الصفحات: 352 صفحة

القطع: المتوسط

The many-headed hydra

Peter Linebaugh, Marcus Buford Rediker

Beacon Press- Boston- 2008

352 P.