«الدبلوماسي والدخيل» كتاب يعود فيه مؤلفه برتران بادي إلى فكرة طالما ترددت في كتاباته واعتبرها إحدى الظواهر الجديدة في الحياة السياسية المعاصرة، وهي تخص الدور المتعاظم للمجتمعات التي تلعب دور «الدخيل» في اللعبة بين الدول كما يقودها الدبلوماسيون التقليديون.

الدبلوماسية التقليدية هي من اختصاص الدول، لكن منذ اللحظة التي يحاول فيها الأفراد أو المجموعات الاجتماعية أو الشعوب أو المجتمعات لعب دور ما فيها يغدون في خانة «الدخلاء». هذا ما يقرّه المؤلف منذ البداية كي يشير بنفس الوقت إلى أن المسرح الدولي قاوم لفترة طويلة، ولا يزال يقاوم اليوم، التسليم بهذا «المكسب الاجتماعي» الذي حققه «الدخلاء» وبالتالي «غير المرحّب بهم» من قبل أولئك الذين تعلّموا أن يكون مسرح السياسة الدولية هو ميدانهم «حصريا».هذا الرفض لـ «الدخلاء» يعود إلى أن عالم الدبلوماسية هو «ميدان محصور الصلاحيات» والمعقل الأخير لـ «اختصاص الدولة» ولا يقبل تقليديا الناس العاديين إلا ببعض الصفات المحددة التي تتسم كلها بـ «الطاعة الصارمة» و»التضحية الكاملة» للأوامر الصادرة من السلطات المختصة. بهذا المعنى يتحدد موقع «الإنسان العادي» في الدبلوماسية كـ «جندي» عامة. ذلك أن العمل الدبلوماسي هو ذو طابع «تقني» وليس «اجتماعي».

ويطرح برتران بادي في هذا السياق عددا من الأسئلة التي تتضمن أصلا الإقرار بأهمية «الدخلاء» في العلاقات الدبلوماسية الدولية الراهنة.

فمن يستطيع أن ينكر أن الدبلوماسية أصبحت تجذب في إطار العولمة عددا متناميا من الشركاء الاقتصاديين والثقافيين والدينيين وغيرهم من الذين يلعبون «دبلوماسية خاصة» أعطاها لهم دورهم في الحياة العامة لبلدانهم؟. ومن يستطيع أن يعترض على أنه ينبغي للدبلوماسية تقديم قراءة اجتماعية ? سوسيولوجية- للرهانات المطروحة وفيما هو أبعد من القراءات الإستراتيجية التقليدية؟.

ويتم الربط في التحليلات المقدمة بين نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين، غربي وشرقي، والذي ساد العلاقات الدولية لعدة عقود من الزمن، وبين بروز عدة إشكاليات ومسائل دولية ذات طابع اجتماعي مثل آثار واقع التفاوت الاجتماعي على سياسات الدول أو مثل المسائل المتعلقة بالبيئة.

ومثل هذا الواقع الجديد وضع بنفس الوقت حدا نهائيا للدبلوماسية التقليدية التي يصفها المؤلف بـ «البسماركية»، نسبة إلى بسمارك، أي بمعنى التي تقوم حصرا على موازين القوى بين السلطات الحاكمة وأجهزتها. وتتم الإشارة إلى أن القوة العظمى الأميركية والقوى «المتوسطة» على الساحة الدولية كفرنسا ومثيلاتها خسرت بعض دورها على الساحة الدولية في السياق الجديد وولوج قوى جديدة «دخيلة» إلى ساحة الفعل الدبلوماسي.

بنفس الوقت عرفت بلدان أخرى كيف تلعب بامتياز ورقة الاحتجاج مثل إيران وفنزويلا لتعزيز دورها على مستوى الفعل الخارجي. وفي المحصلة يجد «الدبلوماسي» نفسه، من موقعه «المشوّش» اليوم بعد أن كان الفاعل الرئيسي سابقا، في مواجهة «الدخيل» الذي لا يزال مبتدئا في لعب دور على صعيد السياسات الدولية.

إن برتران بادي يؤكد على أهمية دور المجتمع «المدني» في مواجهة دور الدولة، بل و«على حسابها». وعلى أساس مثل هذا «التفضيل» تولّد المفهوم المعروف بـ «التدخل لأسباب إنسانية» في شؤون الآخرين. وعلى أساسه أيضا تنامي دور المنظمات غير الحكومية.

هذه المنظمة وغيرها من الظواهر التي اكتست بُعدا دوليا يرى بها المؤلف انعكاسا لـ «وقائع اجتماعية» لها ديناميتها الخاصة. وهي تميل بطبيعتها إلى أن يكون لها مكان في العلاقات بين الدول، بل وتسعى أحيانا إلى أن تحل محل هذه الدول.

بكل الحالات هناك دائما محاولات لإيجاد «توازن» بين هذه أو تلك. ويرى برتران بادي أن منطق سيادة جهاز الدولة كان في حالة تنافس بالولايات المتحدة الأميركية، في ظل الرئيسين بيل كلنتون وجورج دبليو بوش، مع منطق المنظمات غير الحكومية التي أرادت مختلف مجموعات الضغط ?اللوبي- الاستفادة منها و«توظيفها» لتحقيق مراميها. والأمر نفسه في أوروبا وفي بقية بلدان العالم.

إنه تنافس بين البحث عن تعزيز سلطة الدولة من أجل خدمة الطبقات المسيطرة الباحثة عن زيادة سلطاتها وبين البحث عن محاولة استخدام هذه الدولة نفسها من قبل المجموعات الليبرالية ومجموعات الضغط الكامنة وراءها لخدمة مصالحها الخاصة مهما كان «الغطاء الاجتماعي» الذي تستخدمه.

في المحصلة يرى برتران بادي أن «الدخيل» مدعو، انطلاقا من القاعدة، لأخذ دور في اللعبة الدبلوماسية. وجميع المؤشرات تدل على أنه متمسك بلعب هذا الدور. كما أن الوقت قد حان كي تأخذ الدبلوماسية «المحترفة» المتمثلة تقليديا بدبلوماسية الدول هذا الواقع الجديد بعين الاعتبار، «فالمجتمع قد دخل إلى «الحلبة الدولية»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.

الكتاب : الدبلوماسي والدخيل

تأليف: برتران بادي

الناشر: فايار- باريس-2008

الصفحات: 283 صفحة

القطع: المتوسط

Le doplomate et lintrus

Bertrand Badie

Fayard Paris- 2008

283 '