على غرار «أطباء بلا حدود» و«مراسلون بلا حدود» يعتبر ستيفان هيسل مؤلف هذا الكتاب نفسه «مواطنا بلا حدود» كما جاء في عنوانه وكان المؤلف قد ساهم في معظم التظاهرات الخاصة بحقوق الإنسان في القرن العشرين إذ انه اليوم في الواحدة والتسعين من العمر.
وما يؤكده نفسه هو التزامه الكامل والذي لا هوادة فيه في مجمل قضايا الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. ومن هنا جاء دعمه، وهو ابن اليهودي الألماني، لحق الشعب الفلسطيني بدولته المستقلة والحرّة». وكان الدفاع عن أولئك المهاجرين «الذين لا يملكون أية أوراق نظامية تسمح لهم بالإقامة في فرنسا» هو أحد محاور اهتمامه في السنوات الأخيرة.«الوجود في كل مكان دون الانغلاق على الذات في أي مكان»، يمكن أن يكون الشعار الذي وضعه ستيفان هيسل لمسيرة حياته. ذلك على قاعدة تعريف نفسه أنه «رجل التزام وثقافة» مع التأكيد على صفته ك«مواطن من العالم». أما السلاح الأكبر الذي يستخدمه فيحدده باستمرار على أنه «قناعته» بالقضايا التي يدافع عنها.
وفي طليعة القضايا التي يتحدث عنها في كتابه مناهضة الحرب الأخيرة ضد العراق والمطالبة بالعدالة والسلام والديمقراطية في الشرق الأوسط، والتأكيد على احترام حقوق السجناء الفلسطينيين في إسرائيل. ويتعرّض المؤلف بالتحديد للأوضاع المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة بسبب السياسة الإسرائيلية.
ومن التوصيفات التي يقول بها المؤلف عن إسرائيل هي أن حكومتها خطيرة وخارجة على القانون وتمارس سياسة التمييز، بمختلف أشكاله حيال الفلسطينيين. وان السياسة الاقتصادية الإسرائيلية تؤدي إلى تهميشهم اقتصاديا وتحرمهم من حقوقهم وأراضيهم ومواردهم وبالتالي تكبح أية إمكانية لنهوضهم اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. أما الجدار العازل فيرى المؤلف أنه يتناظر مع عملية استعمار أراضي جديدة أكثر مما هو إلى تحقيق أمن الأراضي الإسرائيلية.
ويشير ستيفان هيسل من خلال تجربته الطويلة في داخل «آلة» الأمم المتحدة، أن الولايات المتحدة لا تحترم أبدا المنظمة الدولية. بالتالي لا بد من تعزيزها كي لا تتكرر نفس الظروف التي تتيح القيام بحروب مثل تلك التي عرفها العراق ولا القيام بمذابح التي تمثل مذابح رواندة أحد أمثلتها القريبة.
تتم الإشارة في هذا السياق أنه لا يوجد في ميثاق الأمم المتحدة أي بند يعطي «حق التدخل» لأية دولة في القضايا الداخلية لأية دولة أخرى وبالتالي خرق سيادتها.
إن ستيفان هيسل يفتح من جديد العديد من صفحات التاريخ الفرنسي والعالمي خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وبعدها. هكذا نعرف أن زوجة الرئيس الأميركي الأسبق روزفلت سعت وحققت انتقال العديد من الفنانين والمثقفين إلى أميركا آنذاك، وليس أقلهم شهرة اندريه بروتون، مؤسس الحركة السوريالية ومارك شاغال وماكس ارنست، الفنانين الشهيرين وغيرهم.
يشير المؤلف للصحفي جان ميشيل هيلفيغ الذي لعب دور محاوره في هذا العمل، إلى أنه كان دائما «إلى جانب المعارضين». وأنه استرشد طيلة مسيرة حياته بـ «خط ناظم» وحيد هو النضال ضد أشكال المظالم السائدة في عصره. ويؤكد بأشكال مختلفة أنه لن ينسى أبدا فترة الاعتقال التي عاشها في ظل النظام النازي قبل أن يهرب منه ويلتحق بصفوف المقاومة الفرنسية.
ويقول عن تلك التجربة: «لقد كان حظّي كبيرا بالمقارنة مع رفاقي في المعتقل إذ خرجت منه دون أية إعاقة جسدية بينما فقد كُثر آخرون فيه حياتهم أو على الأقل صحتهم». ويضيف: «هكذا أجد نفسي مسؤولا أخلاقيا، إنها مسؤولية من بقوا على قيد الحياة. وذلك أمر استثنائي عندما يكون عمر المرء 27 سنة». وما يؤكده ستيفان هيسل، هو أن نجاته من معسكر الاعتقال النازي لم تكن بعيدة عن اختياره التوجه نحو الدبلوماسية في أفق إمكانية دور فاعل في الدفاع عن حقوق الإنسان.
ويتحدث المؤلف بكثير من الحنين عن تجربته في العمل إلى جانب رئيسي وزراء فرنسا الأسبق بيير مندس فرانس وحيث أدار بنفس الوقت «منتدى جان مولان»، رمز المقاومة الفرنسية ضد النازيين، الذي كان ـ أي المنتدى ـ حلقة للتفكير شدّت اهتمام الجنرال شارل ديغول وإعجابه.
لكن ذلك المنتدى انتهى مع اندلاع مظاهرات شهر مايو 1968 المعروفة بـ «ثورة الطلبة» والتي يقول عنها المؤلف أنها «غيّرت تماما المعطيات السياسية والاجتماعية» السائدة آنذاك. هذا مع الإشارة إلى أن «المنتدى» المعني ساهم في صياغة المفاهيم السياسية للكثير من الاشتراكيين آنذاك ومن بينهم ميشيل روكار الذي أصبح فيما بعد رئيسا لوزراء فرنسا.
ويتحدث المؤلف في نفس السياق عن المهمات التي أنجزها في التشاد من أجل إطلاق سراح «رهينة» فرنسي. وفي بروندي للوساطة بين قبيلتي الهونو والتوتسي، المسؤولتين فيما بعد عن مذابح رواندة في صيف 1994. وكان هيسل قد قام بوساطات كثيرة أخرى مع «المعتصمين في أحد الكنائس» بباريس للمطالبة بتسوية أوضاعهم القانونية عام 1996.
«مواطن بلا حدود» كتاب يستحق بكل جدارة انتماءه إلى مجموعة «الشهادات من أجل العصر» التي تقدمها منذ سنوات دار نشر «فايار» الفرنسية.
الكتاب: مواطن بلا حدود
تأليف: ستيفان هيسل
الناشر: فايار - باريس- 2008
الصفحات: 318 صفحة
القطع: المتوسط
Citoyen sans frontières
Stéphane Hessel
Fayard - Paris- 2008
318 P

