التضامن الاجتماعي واللجوء إلى سياسة القروض الصغيرة من أجل تأمين سبل العيش الأساسية أو للاستثمار في مشاريع غاية في التواضع وممارسة اقتصاد «العطاء» من قبل ذوي القدرة لذوي الحاجة، أمور تجمعها لورنس فونتين تحت عنوان «الاقتصاد الأخلاقي» الذي اختارته عنوانا لهذا العمل. وهي تؤكد أن هذه الأفكار ليست جديدة. وهي تقدم البراهين على ذلك من خلال رصدها في أوروبا خلال فترة ما قبل الثورة الصناعية التي بلغت أوجها في القرن التاسع عشر.

وتطرح المؤلفة بداية سؤالا فحواه: هل هناك صيغة بديلة جديدة لحالة العشوائية بل «التوحش» التي وصلت إليها اللبرالية الاقتصادية؟ الإجابة على مثل هذا السؤال شغلت في الواقع الاقتصاديين وعلماء الاجتماع، لكنها ها هي تأتي اليوم من موقع المؤرخين.التوصيف الأساسي الذي تقدمه لورنس فونتين للواقع العياني لليبرالية الحالية هي أنها تسمح ب«شراء وبيع» كل شيء بما في ذلك الحياة نفسها، تماما كما تتم مبادلة السلع الأخرى. ذلك وصولا إلى القول أنه يمكن اليوم معرفة «من أين سوف تشتري»، ولكن ليس معرقة «ممن تشتري»؟ باختصار تسود في الحقبة الراهنة «ليبرالية عشوائية».الحل من أجل الخروج من حالة «الانسداد» التي تواجهها البشرية اليوم يجده الكثيرون في العودة إلى اقتصاد ذي طابع إنساني. ومؤلفة هذا الكتاب هي من هؤلاء وترى أنه من المفيد إذن التطلّع إلى دروس الماضي ورؤية الكيفية التي كانت المجتمعات الأوروبية تعمل بها لتأمين العيش للبشر. هكذا جاء في العنوان الفرعي للكتاب: «الفقر والاستقراض والثقة في أوروبا ما قبل الصناعية».

وتقدم المؤلفة شرحها لـ «الاقتصاد الأخلاقي» في عشرة فصول تشمل «الفقر وسياسة القروض والشبكات الاجتماعية» و«الفلاحون ومنطق الاستدانة» و«النخب ومنطق الاستدانة» و«الدورات المالية المدنية الصغيرة» و«المجالات النسائية الاقتصادية والقروض» و«بين البنك والمساعدة» و«معركة الممنوعات حول قضية الاستنزاف» و«صيغ الاقتصاد السياسي وثقافة التبادل» و«الاقتصادات السياسية وممارسات التبادل» وأخيرا «إعادة بناء الثقة».

الفكرة الأساسية التي يقوم عليها «الاقتصاد الأخلاقي» مفادها أن «مساعدة البشر للخروج من بؤسهم هي أفضل من استثمار الأموال في أسواق المضاربات المالية». ثم التأكيد أن تقديم القروض الصغيرة أثبت أنه يشتمل على أوراق رابحة لاقتصاد يسير نحو النضج على خلفية تضامنه».

وتؤكد لورنس فونتين أن أوروبا ما قبل الصناعية قد مارست «الاقتصاد الأخلاقي» حيث كانت الحياة الاقتصادية تقوم على أساس مبدئين جوهريين هما «الثقة» و«الاستقراض المتواضع»، وفي خدمة «رهانات اجتماعية» تتجاوز الميدان الاقتصادي نفسه.

ثم إن عملية الاستقراض المعنية لم تكن تؤدي إلى «إشادة حواجز» بين الفئات الاجتماعية، بل على العكس كانت تخلق «شبكة» للتقريب بين مختلف الفئات والمجموعات الاجتماعية وتساهم في انخراط النساء أكثر بالحياة الاقتصادية في المجتمعات المعنية.

بنفس الوقت تشكّل علاقات الثقة بين الدائنين والمدينين «مجال لقاء اجتماعي هام». وتتجاور أيضاً ثقافتان اقتصاديتان إحداهما إقطاعية والأخرى رأسمالية مع محافظة كل منهما بقيمها الخاصة بها. ولا شك أنهما تتجابهان ولكن بنفس تؤثر كل منهما بالأخرى «تتناقضان» إلى درجة أنهما قد تغيرا من طبيعتهما.

وتصف المؤلفة أوروبا ما قبل الثورة الصناعية أنها كانت مغرقة في «الفقر» ومغرقة في «الظلم» أيضا. وقد استطاع البشر البقاء وتأمين سبل العيش في ذلك المجتمع «التراتبي» عبر ممارسة «العطاء» الذي كان يقوم به الأغنياء مما كان يمنحهم مكانة اجتماعية مرموقة، بل وكان ذلك العطاء هو مصدر «قوتهم». لقد كانوا بهذا المعنى يمارسون نفس الدور التي تمارس «الدولة المانحة» في المجتمعات الحديثة.

بنفس الوقت وبالتوازي مع «سياسة العطاء بين الأغنياء والفقراء، كانت الشرائح الفقيرة تمارس أيضاً فيما بينها «سياسة المساعدة المتبادلة». وفي مثل ذلك الإطار شاعت ممارسة القروض الصغيرة.

إن المؤلفة لا ترى في الصيغة الشبيهة التي طبّقها محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، في بنغلاديش سوى صيغة حديثة ومحلية لما كان سائدا في المجتمعات الأوروبية ما قبل الصناعة.

في المحصلة يتم التأكيد على أن العديد من المجتمعات الأوروبية القديمة، وفي مقدمتها المجتمع الفرنسي، عرفت في سياقات شديدة الصعوبة والقسوة المعاشية إمكانية حصول البشر على قروض صغيرة وبدون أية فوائد تقريبا وبحيث يتم التسديد على فترات طويلة جدا تصل أحيانا إلى حياة المدين كلها، بل وقد يسدد ورثته الديون التي كانت قد ترتبت عليه في حياته.

هكذا عرفت فرنسا في ظل «النظام القديم» ? ما قبل أن الجميه كانوا مدينين من الملك إلى الفلاح ومرورا بالإقطاعي والتاجر، هذا رغم «قرارات» المنع التي كانت تصدرها الكنيسة.

الكتاب: الاقتصاد الأخلاقي

تأليف: لورنس فونتين

الناشر: غاليمار - باريس 2008

الصفحات: 438 صفحة

القطع: المتوسط

Lصéconomie morale

Laurence Fontaine

Gallimard - Paris- 2008

438 P.