كانت سنوات الثلاثينات من القرن الماضي «العشرين» قد شهدت أزمة اقتصادية عالمية خطيرة أصابت بشكل خاص العالم الرأسمالي رغم كل ما كان قد قيل من وعود أنه سوف يشهد نموا اقتصاديا متعاظما باستمرار. كانت بوادر تلك الأزمة قد بدأت بالظهور عام 1929 ولكنها انتهت في نهاية عقد الثلاثينات عام 1939 بنشوب الحرب العالمية الثانية.
وكان «جون كينزي»، منظّر الرأسمالية الشهير و«سيغموند فرويد»، أب التحليل النفساني، معاصرين لتلك الحقبة من أزمة الرأسمالية وقد أصدر، كل منهما من موقعه، أحكاما نقدية شديدة على المسار التطوري للحضارة الغربية الرأسمالية. ومؤلفا هذا الكتاب «الرأسمالية وغريزة الموت» يحاولان في تحليلاتهما تقديم رؤية «كنزي-فرويدية» للمال وللرأسمالة.
فهل حب المال ملازم لغريزة الموت؟ ألم يقل كينزي وفرويد الشيء ذاته؟ هذان السؤالان يطرحهما المؤلفان جيل دوستاليرو برنار ماريس في كتابهما «الرأسمالية وبداية الموت» ويصلان إلى قناعة تقول إن المفكرين الكبيرين «تحدثا نفس اللغة» رغم التباعد الكبير «الظاهري» بين ميداني اهتمامهما.
بل ورغم أنهما لم يلتقيا أبدا، لكن كنزي قام بقراءة متأنية لأعمال فرويد الذي كان شديد الإعجاب من جهته بعدد من أعمال المعلّم الاقتصادي الكبير، كما يؤكد المؤلفان.
وتساؤل جوهري آخر يطرحه المؤلفان ومفاده: إذا كان الواقع الحقيقي للاقتصاد في البداية هو حل مشكلة الندرة، فلماذا هذا السباق من أجل تكديس الثروات بلا نهاية، كما يبدو، ودون رؤسة الشرور التي يولدها ذلك بالنسبة للإنسانية؟
وتتم الإشارة في معرض الإجابة إلى أنه غداة الأزمة الحالية الرأسمالية الكبرى عام 1929 هاجم كنزي بشدّة ممارسات تكديس الأموال والنجل على أساس أنهما سوف يؤديان إلى تدمير البشرية.
ولم يوفّر في نفس السياق اتهاماته للبنوك وشجبه ل«الرغبة نحو التدمير الذاتي» عبر البحث عن الكسب بلا حدود ودون النظر إلى النتائج الكارثية المترتبة على ذلك. لم تكن قضية سخونة الأرض مطروحة آنذاك ومن هنا يعتبر المؤلفان أن كنزي كان «رائدا» في قراءته للأخطار التي تتضمن عليها الرأسمالية «العشوائية» التي لا تولي اهتمامها للمشاكل الكونية.
وتتم الإشارة إلى أن كينزي قد وضع أمله للحظة، بعد رحلة قام بها إلى الاتحاد السوفييتي عام 1925، بالمنظومة السوفييتية للنجاة من «لعنة تكديس الأموال». ذلك على أساس أن تجميع الأموال لن يغدو الأفق الذي سيشغل الشباب في «روسيا الغد». هذا ما اعتبره «تجديدا استثنائيا» في نظريته العامة للعمل.
المسألة المطروحة كمقابل لتكديس الأموال هي إذن «المستقبل»، وحيث ان «امتلاك المال نقدا يخفف من قلق البشر»، كما يرى كنزي.
من هنا يغدو معدّل الفائدة «سعر الفائدة» الذي يطالب به الدائن مناظرا للمبلغ المطلوب من أجل تخفيف القلق الذي يعاني منه هذا الدائن بسبب «افتراقه» عن ماله.
فالقاعدة السائدة عامة في إطار الرأسمالية يمكن تلخيصها بالقول: «كمية أكبر من المال دائما وبأكبر سرعة ممكنة من أجل تهدئة القلق حيال المستقبل وحيال الموت». ويحدد المؤلفان أن تعاليم كنزي تدل على أن «انكباب رجال الأعمال على المال هو نوع من التعويض عن عجزهم السمو بغرائزهم عبر الفن والحب».
المظهر الآخر لتكديس الأموال هو أنها تمثل بصورة ما «بلورة» للخوف من أولئك الذين كان «استغلالهم» هو ثمن تكديسها. ويتزايد هذا الخوف في منظور الخوف من الغد وما يمكن أن يحمله من «هشاشة» أسواق العمل وإجراءات الحماية الاجتماعية. باختصار تمثل غريزة تكديس الأموال محاولة من الرأسمالية لحماية نفسها من «شرور» هي المسؤولة أصلا عن وجودها، وهذا ما يجعلها تقبل بالأفق الغائم لمفهوم «التنمية المستدامة».
وفي الوقت الذي يؤكد فيه المؤلفان أن كينزي رأى في منطق «تكديس الأموال» نوعا من النزعة المخبوءة للتدمير الذاتي، بينما رأى فرويد هذه النزعة في «غريزة الموت اللازمة للمتعة وللساديّة».
وفي الحالتين يمكن للمال أن يكون تجسيدا للشر والموت. هذا ما يعبّر عنه برنار ماريس بالقول أن «الناس يحبون المال إلى درجة أنهم قد يدمرون أنفسهم به». ومقابل هذا يتم القول ان «المجتمعات البدائية، التي كانت تعيش في حالة انسجام وتلاؤم مع الطبيعة، لم تكن لديها غريزة الموت تلم ذلك أنها لم تكن تمتلك ذلك المنطق التكديسي».
ويصل المؤلفان إلى قناعة مفادها أن الاقتصادي الأميركي، ماريس والعالم النفساني النمساوي فرويد «أثر كل منهما في الآخر تأثيرا عميقا». وإذا كان المؤلفان اللذان يعملان على مقولتهما بوجود رابطة بين الرجلين لمدة عقد كامل فإن الأزمة المالية العالمية الأخيرة جعلت «لا حاجة للبرهان على الغريزة التدميرية للرأسمالية».
الكتاب: الرأسمالية وغريزة الموت
تأليف: جيل دوستالير وبرنار ماريس
الناشر: البان ميشيل- باريس- 2008
الصفحات: 176 صفحة
القطع: المتوسط
Capitalisme et pulsion de mort
Gilles Dostaler, Bernard Maris
Albin Michel - Paris- 2008
176 P
