ارتبطت المرأة العربية بسمة خاصة، ألا وهى أداء دور المساند والداعم للرجل، ولم تبخل بجهدها، بأن تتقدم الصفوف، وتقود الجيوش، إن اضطرتها المواقف والصعاب إلى ذلك، خلال الفترات التاريخية الحرجة.

هذا هو بالضبط ما سعت إليه الكاتبة «سنية قراعه» لرصده، والكتابة عنه. *ذات النطاقين «أسماء بنت أبى بكر»، وهي من أهم من تذكر إذا ما بحث الباحث عن بطولات المرأة العربية. ليس لكونها ارتبطت بحادثة الهجرة، وهى الحادثة الفارقة في تاريخ الدعوة الإسلامية، ولا لصغر سنها في تلك الفترة.. بل لاكتمال الحنكة والحذق في كل خطواتها، حتى نجحت وتحقق معها الأمن والمدد لرسول الله (صلعم) وصحبه.يذكر عنها موقفها الصلب أمام «أبي جهل رأس الشرك، وقد داهمها وهى على مقربة من الغار، لكنها صمدت ولم تبح بما تعرف، حتى لطمها «أبو جهل» لطمة شديدة، مزقت قرطها، وسقطت على الأرض باكية، ولم تبح. كما يذكر لها موقفها أمام ما كان مع ابنها «عبدالله بن الزبير بن العوام»، فقد حكم العالم الإسلامي لتسع سنين، إلا من الشام، حيث كان يحكم أفراد من سلالة بني أمية. فلما تولى «عبدالملك بن مروان» أرسل جيشه بقيادة الداهية «الحجاج بن يوسف الثقفي» إلى مكة.. حيث حاصرها، وطلب رأس «عبدالله».

وفى حديث الابن مع أمه خلال تلك المحنة، قالت ما أصبح مضربا في الأمثال، وطلبت منه أن يتابع معركته إن كان يظن أنه على الحق، حيث قالت: «وما يضير الشاة أن تسلخ بعد ذبحها؟! إن كنت على الحق فكن حيث أنت؟!» وحرضته على القتال، وضرب الحجاج مكة بالمناجيق، واستباح حرمتها.

وخرج له «عبدالله» حتى قتل، وقد أسرف الحجاج في عداوته، حتى أنه حز رأسه وصلب الجسد على الثنية! ورفض أن يدفن إلا بعد أن تستأذنه «أسماء».. طال الأمد، فخرجت «ذات النطاقين» إلى حيث الحجاج تقول: «يا حجاج! هذا الراكب، الذي أبى له قدره إلا أن يرتفع فوق الرءوس حتى في موته، أما آن له أن ينزل؟!».. ودار الحوار بينهما، حتى قال «الحجاج»: «هزمتني والله بنت أبي بكر!!»

*الخنساء «أم الشهداء»، هي «تماضر ابنة عمرو بن الحارث بن الرشيد». عرفت بنضج شعرها، وتفوقها فيه. وان كان «الأصمعي» يقدم «ليلى الأخيلة» عليها، ونصفها «المبرد» بقوله: «إنهما كانت فائقتين في أشعارهما متقدمتين على أكثر الفحول».

وفى ليلة «القادسية اجتمعت الخنساء بأولادها الأربعة تقول فيما قالت: «.. واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية». وطلع الصبح بنور جديد، وأمل جديد، وكبر الجند وتقدموا حتى تكسر الصف الفارسي، وتمت هزيمة «كسرى»، وأعز الله المسلمين والإسلام. وفى أوج الاحتفال بنصر الله، حمل النعاة إلى الأم العجوز نبأ استشهاد بنيها الأربعة. فتملكتها هزة المفاجأة، ورفعت رأسها بعد ذلك إلى السماء في إيمان بالغ، تسأل الله أن يعجل بها لتلحق بالأحبة في جواره وتظفر بما ظفروا به.. وقد قالت:

«الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم جميعا، في ميدان الشرف، وتحت راية الجهاد في سبيل الله، وأعز شرفي هذا بأن أتم نعمة النصر الأكبر» وامتد عمر الخنساء حتى أيام حكم «معاوية بن أبي سفيان»، بعد أن كانت من مواليد فترة الجاهلية، قبل الإسلام.. وقد أصبحت نموذجا للصبر والتضحية.

*الخيزران بنت عطاء، زوجة الخليفة المهدي بن أبوجعفر المنصور. وكانت قريبة من قلب «المنصور»، وتلقت على يديه الكثير من الحنكة والحكمة.. وتأثرت بشخصيته أيما تأثر.. حتى أصبح مثلها الأعلى.

وقد عرف عن زوجها «المهدي» غرامه بها، وقلة حيلته في إدارة شئون الخلافة، مقارنة بأبيه. كما أن خلافة المستقبل لولديها «الهادي» و«هارون الرشيد».. هو ما زادها إحساسا بالسلطة. وقد عرف عنها نزعتها إلى استقرار أمور الخلافة وأحوالها، وهى التي قالت: «لقد تم البناء فعلا وعلى أسس شامخة (تعني أعمال المنصور) واستقر الأمر، ولن يفكر متهور جريء في الخروج.».

وفى ضوء تلك المقولة، كانت ترى الأوضاع من حولها. وبوحي منها، فتحت المعاقل، وأخليت المحابس من المسجونين، لكل من حبسه «المنصور» لخلافه معه في الرأي.. وكانت خطوتها الثانية، أن أوحت ل«المهدي» كما فعلت أول خطوة.. أن أوحت إليه بأن يحسن من علاقته ببني هاشم، وقد كان مع بني هاشم قد أقلق مضجعهم.

وجاء دورها في تربية ولديها، وقد تكفلت بهما وبرعايتهما، بكل الجد والإخلاص.. ثم طلبت من زوجها تكليفهما للعمل، وقد شارك ولديها في إدارة بعض الأمور، حتى كانت مشاركتهما في الجيش المسلم ضد الروم. وبعد أحد عشر عاما مات المهدي، ووضعت في نفسها أنها صاحبة القول والفصل، ما دام الخليفة هو ابنها البكر. وثارت الخلافات بينهما، بينما عاشت حياة هادئة في عهد ولدها الآخر «هارون الرشيد».. وحتى ماتت.

هكذا كانت حياة امرأة ذاقت طعم السلطة والسلطان، وتولت تربية اثنان من خلفاء الدولة العباسية التي انتصرت على الروم، وتوسعت الفتوحات الإسلامية في عهديهما.

وأخيرا تتعدد الشخصيات، ومعهن تعددت المواقف والأحوال، وان جمع بينهن جميعا (العشرون شخصية) التي اختارتها الكاتبة.. أن تركن للرجل المقدمة والمواجهة المباشرة، وتبقى هي في السند والدعم الدائم.

السيد نجم

الكتاب: نساء في التاريخ العربي

تأليف : سنية قراعه

الناشر: كتاب «العربي» العدد 37 الكويت 2009م

الصفحات: 288 صفحة

القطع: الصغير