يتناول كتاب «حركة القوميين العرب نشأتها وتطورها وموقفها من القضية الفلسطينية» لمؤلفه عبد رجا سرحان الذي يكشف ما مثلته الحركة من دور ووظيفة في مجمل التكوين الاجتماعي- الاقتصادي- والسياسي في الوطن العربي.

ويعالج فيه العديد من المواضيع والقضايا التي قاربتها الحركة، وتقييم مجمل تجربتها، والمراحل التي مرت بها، بدءاً من الولادة، ثم المدّ والانتشار والتأثير في الأحداث العربية، وانتهاء بالانشقاق والانهيار. ويعتبر المؤلف أن حركة القوميين العرب ولدت في جو نفسي، سياسي، شعبي، ونخبوي، وفي وقت كانت فيه محنة فلسطين في وجدان كل إنسان عربي، جاءت ردّ فعل فوري على نكبة فلسطين العام 1948، تستهدف إعادة الكرامة والشرف، وإزالة الذل والعار الذي لحق بالعرب بعد هذه الهزيمة. وكانت «الحركة» أول من رفع راية العودة، أي عودة الشعب الفلسطيني المشرد إلى دياره، وعودة فلسطين إلى أصحابها الشرعيين.

ولما كان ذلك غير ممكن إلا بالنضال المسلح، بات الثأر هو شعار الحركة في سنيها الأولى، وقد عنى كفاحاً ونضالاً أكثر مما عنى مجرد اقتصاص أو انتقام من أعداء الشعب الفلسطيني، فكان الثأر هو الحرب والقتال والنضال، وإنما صيغ ذلك برمز الثأر التقليدي.

ويعتبر المؤلف أن حركة القوميين العرب تمايزت عن الأحزاب القومية الأخرى بمدى إدراكها لطبيعة الخطر الصهيوني، وتركيزها على شعار تحرر فلسطين، وشكل الاهتمام بالقضية الفلسطينية، إلى درجة كان معها شعار «الثأر» أو «استرداد فلسطين» أبرز السمات النظرية للحركة.

ويرى أن الفكر القومي انتقل عبر العديد من المفكرين العرب، من مفهوم لآخر، وتعددت مع ذلك الآراء والأفكار والمفاهيم، عن القومية العربية، والأمة العربية، والوحدة العربية وتشكل العديد من الأحزاب والحركات السياسية.

وصدر العديد من الكتب والمجلات والصحف، التي تناولت هذه الموضوعات، ونشطت معها النوادي والجمعيات الثقافية، والحركة الكشفية التي شكلت عنواناً مهماً من عناوين النضال ضد الاحتلال، والمطالبة بالتحرر والاستقلال، وبالوحدة رداً على التجزئة.

وشكلت الجمعيات والنوادي والحركات القومية السرية والعلنية بما طرحته من مبادئ وبرامج ومفاهيم حول الآمة العربية ومستقبلها، القومية العربية ودورها في تحير المجتمع وبنائه على أسس ديمقراطية وإنسانية، والوحدة العربية وضرورتها لتعزيز قدرة الأمة العربية في مواجهة الاستعمار بأشكاله المتعددة، التربة الخصبة لانطلاقة الأحزاب والحركات القومية في منتصف القرن العشرين.

وفي هذا السياق شكلت أفكار قسطنطين زريق وساطع الحصري وعلي ناصر الدين محاولات مبكرة وجادة لتأسيس عمل قومي موحد قادر على مواجهة تحديات الاستعمار ومخاطر الصهيونية. لقد مثلت «عصبة العمل القومي» و«الحركة العربية السرية» نموذجين، استمدت «حركة القوميين العرب» عند نشأتها لاحقاً بعضاً من دروس التجربتين القوميتين.

وقامت الأطر التنظيمية المبكرة بأنشطة تنظيمية وسياسية وعسكرية وجماهيرية، تدل على أنه قد كان هناك قيادة قومية من طلائع الشباب العربي، أشرفت على عمل هذه الأطر، وكان لديهم إصرار على تطوير عملهم باتجاه أرقى وأفضل.

وتعرضت مسيرة «حركة القوميين العرب» التنظيمية والجماهيرية لانتقادات واتهامات عديدة، تراوحت بين غياب الحرية الشخصية للعضو، والمجتمع المنغلق، والضعف التنظيمي، وغياب الديمقراطية، والدور الهامشي في الأحداث، وقلة العدد، وضعف الالتفاف الجماهيري، إلى الاتهام بالفاشية والإرهاب، واختلطت مع هذا المراحل التي مرت بها «حركة القوميين العرب»: مرحلة البناء، ومرحلة التفتت إذ تختلف حقيقة الواقع التنظيمي ومشكلاته، ما يتطلب من المرء تدقيقاً أكثر، وموضوعية أكثر، حتى لا تختلط حقائق تتراوح بين الإيجابية والسلبية.

وفي سياق محاولة تشخيص أزمة الفكر القومي الفلسطيني، يشير المؤلف إلى أن تأسيس حركة القوميين جاء بسبب ما حدث في فلسطين عام 1948، وان كانت لم تعمل بالشكل المطلوب، بسبب الظروف الاستثنائية، نظراً لهزيمة العرب في حرب فلسطين، التي حدثت لأسباب ذاتية، وذلك لأن معظم الدول العربية في ذلك الوقت، وان لم تكن جميعها، كانت ترتبط أنظمتها بالاستعمار، إلى جانب على ضعف كياناتها وبنايتها السياسية والعسكرية والإستراتجية.

وكان على الحركة إدراك حقيقة ما جرى في فلسطين، كي يتسنى بناء مشروع استعادة فلسطين بمستوى القوى التي تحالفت من أجل سلب فلسطين استقلالها وعروبتها. وكان كل ما طرح من مواقف نظرية حول الترابط بين القطري والقومي، على الصعيدين الفلسطيني والعربي، لم يترجم إلى مواقف ملموسة، يمكنها أن ترتقي إلى فعل قادر على تغيير صورة الوضعين العربي والفلسطيني عشية نكبة عام 1948، وما بعدها من هزائم ونكسات.

الكاتب في سطور:

الدكتور عبد رجا سرحان، كاتب وأكاديمي فلسطيني، يعيش في لبنان. انتسب إلى حركة القوميين العرب في العام 1957، ثم أصبح عضوا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ تأسيسها عام 1967، وانتخب عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام 1982، ولا يزال عضواً حتى الآن في لجنتي اللاجئين والتربية.

الكتاب: حركة القوميين العرب - نشأتها وتطورها وموقفهامن القضية الفلسطينية

تأليف: د. عبد رجا سرحان

الناشر: مركز الغد العربي، دمشق، 2008

الصفحات: 576 صفحة

القطع: الكبير

عمر كوش