افتتح رئيس الجمهورية الايطالي جورجو نابوليتانو وعدد من اعضاء الحكومة ورئاسة بلدية المدينة، معرض الأربع سنوات «كوادرينالي» للفنون التشكيلية في صالات قصر العروض التاريخي العريق في قلب العاصمة روما، الذي ضم أكثر من 250 عملا فنيا لتسعين فنانا وفنانة من عموم ايطاليا، جمع أساليب فنية وصياغات تشكيلية عدة، رسم، نحت، فيديو، كولاج، غرافيك.
وكل ما يقدمه عالم الكمبيوتر من ابتكارات متحررة من اية قيود تتزامن والتحولات الجديدة في الاساليب الفنية، جمعها أكثر من 90 فنانا وفنانة في اعمالهم الفنية بطرق تثير المتلقي وتحيله من مجال الايهام النظري إلى المجال الواقعي والفعلي وبالعكس. الحركة الفنية التشكيلية التي يطلق عليها هنا، ما بعد الحداثة في هذا البلد الذي يعتبر من اعرق بلدان الغرب بفنونه التشكيلية، أصبحت هاجس العديد من الفنانين الايطاليين، أعادت تكريس واقع المتغيرات الجديدة في عالمنا المعاصر وعكستها في بنية هذه الأعمال الفنية، وهي تضم في صفوفها أعدادا من الفنانين، تتزايد يوما بعد آخر، اذ يعتقد أصحابها بان مساعيهم الفنية، هي امتداد لما بعد الحداثة، ويطمحون لتحرر اعمالهم الفنية من كل انواع الاتجاهات والاساليب التقلدية المتعاقبة المتعارف عليها في الصنعة الفنية.
الوسائل التقنية الحديثة التي أكثر من استخدامها فنانو الحداثة من المدرسة المفاهيمية، وما حملته من مدارس واساليب عديدة تمثلت في حركة فلوكس، الفن الاعتدالي، فنون الارض، فنون الجسد، التصوير الفوتوغرافي ... الخ، توضح اهدافهم، باتباع كل الاساليب التي من شأنها تخطي اللوحة التقليدية وحاملها، باستخدام الميكروفيلم والفيديو والكمبيوتر وبرامج الفوتوشوب، واستخدامات اليستراتور، والسكينر، وكل ما تتيحه التقنية الحديثة ومغرياتها، اضافة الى اخر ما توصلت اليه عبقريات البرمجة الرقمية، لتستدرج الفنان الى مساراتها ونتائجها شبه الجاهزة.
ان هذا الجمع الكبير من استخدام الوسائل التقنية وأكثرها تعقيدا مثل لحظات التقاطع الحاسمة ما بين الحداثة الفنية وفن ما بعد الحداثة، اذ لايوجد انتماء محدد الى اتجاه او تيار او اسلوب معين يمكن تحديده، بل ان كل فنان وكل عمل منجز له يحمل انتماء خاصا قادرا ان يترك تصورا عن نفسه باعتباره نوعا متمردا جديدا من الخلق يستخرج رؤاه من واقع آخر يكمن خلف المظاهر وخلف المادة، يعتبر كل انسان هو فنان، وان كل ما ينتج عنه او يخرج منه هو عمل فني: النفس، الدم... كل ذلك يعلب ويباع.
«معرض الأربع سنوات» الذي تأسس سنة 1931 «اقام دورته الجديدة الخامسة عشرة تحت عنوان «وقفة تصور في مسار الفن الايطالي المعاصر»، يمثل الاتجاهات الطليعية لنمط فني كان قد مهد له الفنان الفرنسي مارسيل دي شامب منذ بداية القرن الماضي، والحركة الدادائية الجديدة في اوروبا واميركا، وكذلك ما قدمه كل من الفنانين ايف كلين الفرنسي وبييرو مانزوني الايطالي في الخمسينات من القرن الماضي حيث ساهما في نشر هذه الحركة الفنية واعتبر نشاطهما بمثابة صلة الوصل ما بين الدادائية في مختلف مراحلها.
وهي في جميع فعالياتها تمثل ارادة لدمج الفن بالحياة، الامر الذي عكس نفسه بقوة في توجيه جزءا كبيرا من النشاط الفني المعاصر الذي نعيشه هذه الايام، فهم حاربوا التقاليد الفنية، وتحركوا في كل نشاطاتهم الفنية والفكرية والنقدية على التحرر من القيود الاجتماعية والثقافية، من اجل الانطلاق نحو منطلقات جديدة ومغايرة، تتخلص لامن الفن بحد ذاته بل من كل اشكاله وطرق استهلاكه وعملية تسويقه.
فور دخولنا إلى صالات العرض المتعددة شعرنا بنوع من الغربة والتساؤل: هل هم فنانون ام هم مخترعون، فالذي نراه ليس عروضا تشكيلية، بل يبدو للوهلة الاولى لعبة تكنولوجية تبني نفسها على عوالم افتراضية او واقعية، حصى واسلاك وبقايا سيارات محترقة، وبقايا معدات وخيام وجمال مصنوعة من اسلاك الحديد والقصدير، كراسي والواح خشبية ومقاعد سيارات وكرات رصفت بدقة هندسية والواح زجاجية وجدار حجري من الاسمنت، علب من الكارتون وانابيب معدنية واجساد عارية منفوخة تجلس باحضان النساء، وصور فوتوغرافية تحمل رؤية جديدة لواقع اجتماعي تم تحويله وصياغته حسب ارادة ورغبة الفنان.
كل شيء يتم فيه اختصار المسافات لأقصى درجة بين الفن والحياة، وكل شيء يدعو الى التحرر من كل الوسائل التقليدية التي اعتادت عليها عيون المشاهدين في السابق، لتصبح رؤيتها مباشرة نحو اكتشاف انفسنا داخل هذا العالم.
وهو متحرر من الاشكال التقليدية للفن، يقدم فيه الفنان ادراكا جديدا لهذا العالم ومفهوما جديدا لمعنى الفن، فالفكرة تصبح اداة الفنان لصنع العمل الفني، ومثل هذا العمل لايجسد طرحا نظريا فقط ، بل يظل في اطار الحدس، يتضمن كل العمليات الفكرية دون ان يكون له اي هدف، كما انه متحرر من المهارة الحرفية لدى الفنان.
هذا النوع من الفن يحمل رسالة غامضة من الفنان إلى جمهور المتلقين، يشير فيها إلى التبدل الكلي في العلاقات التقليدية في العمل الفني بين الفكرة والتعبير، اذ ان الفكرة هي الاساس الفعلي بدلا من العمل الفني نفسه والذي يصبح بمثابة اداة لايصال الفكرة ذاتها.
انها مناخات صنعتها مخيلات مأخوذة بالخديعة وهو الامر الذي يضع المشاهد في قلب الدهشة معتبرا المكان هو المقلب الاخر الذي لايسعه الا ان يسلك طريق حدس الاشياء كما يفعل الاعمى من اجل الخروج من عتمته وسط ركام اعمال لاتكشف عن جماليتها للوهلة الاولى، لانها تحمل معاني كامنة لاتبتعد عن التأويل الذي تتيحه للمشاهد.
فهي تحمل دعوة مفتوحة لرؤية الشيء الحقيقي للفكرة وتمثيلها من خلال استخدام ادوات ووسائل متواجدة في الحياة اليومية، ادوات، كلمات لغوية، لقى من الشارع، علب واشرطة وصور فوتوغرافية، ملابس وقطع اثاث مهجورة، وكل ما هو مبتذل وتافه وزائل وفريد، تبتعد عن دور سابق كان الفنان يبحث عنه فيما مضى بين اللون وبناء الشكل وعلاقته بالمضمون .
الفن الان اصبح بعرف هؤلاء وسيلة استعلام فعالة، اذ سرعان ما يزول العمل الفني بينما تبقى ذكرى الفكرة التي طرحها راسخة، فالعمل الفني لم يعد مرتبطا او مندمجا باي اثر تزييني او نظام بناء متكامل، ذلك ان مثل هذا الفن لايبحث عن الخلود الذي كانت تبحث عنه اللوحة الفنية، فخلوده يتمثل بتغيير اطار اللوحة الى اطار الوجود اليومي والذي يتيح للانسان القيام بتجارب حقيقية مباشرة مع محيطة وبيئته.
تظهر الاعمال الفنية التي قام بها نحو 60 فنانا و30 فنانة من مختلف المدن الايطالية، بمثابة النزوع نحو استعمال لكل ما هو متداول ، والاقل جمالية، والاكثر صدمة لوسائل الاعلام، اي بمعنى آخر، العودة على الصعيد الفني الى الصورة التي تستخدمها وسائل الاعلام الغربية، الصورة الفوتوغرافية بكل تقنياتها الفيديوية، الفيلمية، الطباعية، كمصطلح ثقافي اعلامي اعلاني في الصحافة والمجلات والتلفزيون، تلك الصورة التي تذهب الى الواقعة وتلتقطها في اعتبارها فكرة ينبثق جمالها من لحظة تماس خفي بين فردانية الفنان ومشروعه الانساني في ابداع شيء ما، قادر على اقتحام ذواتنا عبر مسارب متعددة، لذا صار الفنان الاوروبي يلتقط افكاره من كل مكان.
الفنان هنا يتقبل من خلال عمله الفني واقع مجتمعه بموقف بارد حيادي احيانا وبشعور بالمسؤولية عن كل ما يجري في عالمنا، وأصبحت الصورة في النهاية فضاء للتعبير كله.
الصورة هنا التي تعرضها شاشات الفيديو او الفوتوغراف، هي مادة الفنان عن البشرية، من انجاز افكاره وخياله، لم تكن بحاجة الى يده كما كان الامر سابقا لكي تخطط وتضع الالوان والمساحات، فهذا الفن يحتاج الى مهارة حرفية لا اكثر و لا أقل، ومثل هذا الفعل لايحتاج الى عناء كبير، فانجاز الصورة ، كل صورة، يستدعي لملمة كل مستويات النظر اليها وتجمع معانيها.
لذا، فان الفنان غالبا ما يلجأ الى تأليف صورته من صور تنتمي الى وقائع حقيقية، من مساحات العنف في حرب العراق، الى حالات الجوع في السودان، انها عملية تأليف وتوليف من صور بشرية تنتمي الى اصول بصرية، ينسجم ويناهض ويناقض بعضها مع البعض الاخر لتشكل سير متلاصقة عن حقائق تعيشها البشرية يحاول الفنان تأكيدها في ذهن متلقيه من اجل خلق نوع من الوعي، يحمل في طياته، سخرية سوداء، تهكم مرّ، ضعف ايمان، تعرية لوقائع إنسانية منغلقة اعلاميا.
انها كل ذلك مجتمعا ليقول الفنان صرخته عن الوجود الانساني باعتباره حيزا يتحتم على عين المشاهد متابعته ورصده، فالصورة بايحاءاتها المتعددة تهدف الى وضع زمن الانسان في حالة من المراقبة داخل رؤية فنية لاتسجل ما يقوم به الفنان نفسه، بل تهدف الى تسجيل كل مظاهر الحياة.
فنون الفيديو آرت او فنون الفيديو التي تحولت الى ظاهرة اتخذت من هذا الاسلوب النخبوي التجريبي ابعادا جديدة تسعى لخلق حوار استفهامي حول مسائل وجودية عديدة في زمن تحول الفن الى بضاعة فضاؤها السوق، واصبح كل عمل فني هو مغامرة بذاته.
وهو فضاء تأويل بصري يلغي ما متعارف عليه زمنا طويلا بحساسية التذوق الجمالي المفعم بخيال موضوع اللوحة والوانها وشكلها ومضمونها، يسعى لاكتشاف وعي الانسان بنفسه، ويحاول استعادة قراءة النفس في مرآة العمل الفني، اي انه يحاول اعادة بناء جديد ومغاير ومحرر من اية قيود، ليحصل الدمج المطلوب بين الفن والحياة، بعيدا عن كل المقاييس الجمالية والاخلاقية التي كانت متبعة في الماضي.
العديد من الفنانين الذين اعتبروا الصورة المتحركة منجزا لتعبيرات تشكيلية تحمل قدرة تعبيرية متميزة ، استفادوا من مفردات السينما والتلفزيون والعاب الفيديو فصارت هذه الوسائل المتوفرة في السوق بمثابة قاعدة تتكفل الان اكثر من اي وقت مضى بصنع العديد من المعاني التي يسعون لتحقيقها في عملهم الفني، ما دامت تمتلك مواصفات التحريض والعنف والاستفزاز، وقادرة في النهاية على اتخاذ نهج او نظام خاص بها .
لم يخرج جميع المشاركين عن شروط اللوحة الفنية المسندية، اذ كانت لعدد منهم محاولات عديدة للعودة الى عوالمها بعيدا عن الاستسهال والارتجال من ابراز الامكانيات اليدوية الحرفية في صناعة اللوحة التشكيلية التقليدية، بعد ان فقدت اللوحة تقاليدها وجزءا كبيرا من كرامتها على ضوء التخمة التعددية للوسائط التقنية الجديدة، اذ تفتت خصائص اللوحة ضمن الفنون الرديفة، من مسرح وسينما وسينوغرافيا وفن ايحائي، وعمارة ونحت، فقد مثلت العودة الى الاسلوب الفني التقليدي اتجاها جديدا، لوحات احادية اللون، ولوحات اخرى ملونة، تمتلكها انطباعية، تميل الى التحليل الدقيق للرؤية والملاحظة، استدعى بعضها وقفات مطولة من قبل المشاهدين، بلونيتها المشرقة، وتألق الوانها وصفائها.
ان هذه العودة التي الغت الحدود بين التجريد والتشخيص، وامتلكت الوانا شفافة، سواء تلك التي صورت الطبيعة والتي حافظت على ملامحها الخارجية وابقت على مميزاتها الاساسية وعلى صفائها كما هو الحال مع اعمال الفنان اندريا دي ماركو وواقعيته المفرطة،.
وكذلك الفنان دي مارتينو والفنان نيكولا فيرلاتو، اوتلك اللوحات التي رسمها الفنان بازان بمخيلة متفجرة قادرة على تمثيل بشاعات الحروب ومآسيها وما يرافقها من الآم وشقاء، او تلك التي تجلت فيها الرومانسية بمظاهر جديدة وبأشكال مختلفة لفتت انتباه المشاهدين ، كما هي الحال عند كل من الفنان فرنشيسكو دي كراندي، والفنان فرنشيسكو جيرفيللي ،الذي تخطى تراتب الانواع الفنية، وتعلم النظر الى الحياة مباشرة ليسجل مختلف مظاهرها دون احكام مسبقة، ويكتشف الجمال في كل ما يحيط به.
اما الفنانون كيازيرا وفابريتسي ولومباردو فاهتموا بالواقعية الرمزية، في حين عاد الفنان سوبراكازا الى اسلوبه الاثير في التجريد.
حمل المعرض في دورته الجديدة عبارة «تحية الى الفنان الايطالي الرائد لوجانو فابرو 1936- 2007) بمناسبة رحيله عن الساحة الفنية. كما ان الدورة الحالية اختارت لجنة تحكيم عالمية تتألف من كبار الفنانين والنقاد العالميين وعلى رأسهم الفنانة والناقدة الفرنسية سوزان باجي رئيسة منظمة لويس فيتون للموضة ورئيسة المتحف الفني المعاصر في باريس، الى جانب الناقد النمساوي جيرالد مات مدير متحف الفنون في فيينا، والناقد فينيست تودولي مدير متحف تود لندن.
إتجاهات طليعية
تأسس «معرض الاربع سنوات» سنة 1931، اقام دورته الجديدة الخامسة عشرة تحت عنوان «وقفة تصور في مسار الفن الايطالي المعاصر»، يمثل الاتجاهات الطليعية لنمط فني كان قد مهد له الفنان الفرنسي مارسيل دي شامب منذ بداية القرن الماضي ، والحركة الدادائية الجديدة في اوروبا واميركا .
وكذلك ما قدمه كل من الفنانين ايف كلين الفرنسي وبييرو مانزوني الايطالي في الخمسينات من القرن الماضي حيث ساهما في نشر هذه الحركة الفنية واعتبر نشاطهما بمثابة صلة الوصل ما بين الدادائية في مختلف مراحلها .
موسى الخميسي

