في العام 2006 ظهر على شاشة تلفزيون دبي مسلسل كرتوني تلعب بطولته أربع نساء عجائز، سرعان مع حقق هذا المسلسل نسبة مشاهدة عالية وصار حديث الناس وبدأت مقولات العجائز الأربع تجري على السنة المشاهدين وصارت حياتهن حديث المدينة، بعد فترة وجيزة تحولن إلى علامات تجارية لأوان وبوسترات ودمى وخامات وملابس هي ذاتها ملابس الشخصيات الوهمية التي اختلقها المخرج الشاب محمد سعيد حارب.
كتب العديد من الكتاب الكبار الكثير من المقالات عن سر نجاح مسلسل فريج الكرتوني ومدى التصاقه وقربه من حياة الناس، لقد كان هذا التواصل الشفاف بين عرض تلفزيوني كرتوني والمتفرجين يكشف عن قدرة خيال مخرج استنبط شخصياته وحركها ضمن أحداث يومية وبواقعية شديدة، استمدها من مفارقة مفتوحة الدلالات.وهي ان العجائز الأربع المتمسكات بتقاليدهن الشعبية وبثقافتهن الشعبية أصبحن يعشن، كما يقول المخرج نفسه في مدينة متجددة ومتطورة يوميا، إيقاعها عالمي متنام وبشكل سريع، هذا الانتقال السريع في حياة المدينة فتح باب المفارقات الاجتماعية في الحياة اليومية وصرن أولئك النسوة وكأنهن الضمير والحارس على العادات والتقاليد والهوية.
ثم ان المتغيرات التي طرأت على المدينة التي حولت مناخها الثقافي نتيجة التعددية الثقافية التي جاءت إليها إلى مناخ متشابك من العادات والتقاليد، وجدت النساء الكرتونيات انفسهن في مواجهته، ومن مساحة هذه المفارقة تناولت نصوص هذا المسلسل جملة من القضايا الاجتماعية كانت أرضا خصبة للنقد تارة والإشارة إلى منجزاتها تارة أخرى.
تحقق نجاح منقطع النظير لهذا العمل الدرامي الذي تم تنفيذه من خلال رسوم متحركة ثلاثية الأبعاد.. لكن محمد سعيد حارب هذا المخرج الشاب الذي يطارده خيال جامح، لم يركن فقط إلى هذا النجاح حيث توالت اجزاء المسلسل منذ العام 2006 إلى العام 2008، ثم أطلق عرضه المسرحي الاستعراضي «فريج فلكلور» الذي افتتح عروضه في قاعة في دبي.
وساهم فيه موسيقيون ومؤدون عرب وأجانب.. يغاير هذا العرض الكثير من العروض من عروض الساحة المسرحية، وربما هو الوحيد الذي يخترق الساحة بعمل فريد من نوعه، يسجل له في تاريخ الحركة المسرحية الاستلهامات المتعددة من المسرح التجريبي والمسرح الاحتفالي ومسرح الصورة والمسرح التشكيلي الذي عرف على مستوى العالم بتوظيفه لتكنولوجيا الصوت والصورة واستخدام السينما.
ففي عرض فريج فلكلور تتمازج هذه الاتجاهات مجتمعة لتقدم فرجة مسرحية تنتصر في مشاهدها ومفاصلها في كل لحظة لجانب من هذه الجوانب، فطغيان استخدام شاشات العرض والمواد الفيلمية يكاد ينسيك انك أمام مسرح حي، لكن سرعان ما يتم احالتك إلى لوحة استعراضية يجسدها راقصون ومؤدون، هو استكمال واضح لتداعيات أحداث العرض.
فيما يبرز التشكيل واضحا وتبرز معه اللغة المعروفة في المسرح التعبيري، حينما يبوح البطل بمكنونات دواخله وتجسد الجوقة والمفردات الموضوعة على خشبة المسرح انعكاسات تلك الدواخل.
فالعجائز الأربع اللاتي يجدن أنفسهن في مغارة علي بابا سيكون عليهن تنفيذ اشتراطات جني المصباح، ومن ثم سوف يأخذهن الرحالة الشهير ابن بطوطة في رحلة عالمية تجسد انجازات العلماء المسلمين في أنحاء من العالم، اسبانيا وتركيا وبلاد الهند والصين وغيرها. في هذه الرحلة لن تجد نفسك كمتفرج تتبع فقط تلك المتاهة التاريخية التي تاهت فيها النساء الأربع، ولكن بإصرار ستجد انك امام خيول جامحة أجسادها مصممة من كلمات وحروف عربية، هي دلالة واضحة على رحلة الحضارة العربية والإسلامية إلى الجهات الأربع..
ففي موضوع عرض فريج فلكلور هناك دافع كبير لدى المخرج محمد سعيد حارب لتأكيد حضور منجزات الحضارة عبر علمائها، ففي المجرة الوهمية التي تلعب فيها شاشات العرض الثلاث دورا بارزا بتأكيد البعد الثالث ستذهب فورا إلى ذلك المعنى الكبير في الحروف والكلمات التي تتجسد في الإطار التشكيلي العام لمشهدية العرض لتبدو وكأنها عناصر مؤدية لا خلفيات عابرة وهامشية..
عرض «فريج فلكلور» ببساطة يأخذك عبر انجازات الشعوب وثقافاتها ليعود بك إلى الإمارات تحديدا ليحكي لك عن الماضي والحاضر والمستقبل، منذ رحلة الغواص الشاقة بحثا عن اللؤلؤ وعذابات الانتظار عند الحبيبات إلى الانجاز الحضاري الأصيل الذي وقعه الأجداد على رمل الصحراء الذهبية، هي سيرة تاريخية لمسيرة النهضة..
موضوع يكاد يكون مطروقا، لكن إعادة صياغته في عرض متمازج بين الغناء والرقص التعبيري والتشكيل والسينما، الاتكاء على رسوم كرتونية وحضور ثقافات متعددة في حيز واحد هي الرسالة الأهم، فهذا المكان، مكان العجائز الأربع، هو مكان التقاء الحضارات والثقافات.
استخدام السينما والاستعراض والخدع البصرية القائمة على الضوء والعتمة والإيقاع الملحمي ليس بجديد في عالم المسرح وعالم التجريب، فكما يشير الباحث والمخرج والناقد المسرحي السوري د.رياض عصمت في مقالة مطولة عن ملامح التجريب والمدارس الغربية ومدى تأثيرها على مسرحنا العربي فإن هذا النوع قد اشتهر في بولندا، وفرنسا وأميركا .
حيث بدأ توظيف التكنولوجيا والفنون السمعية البصرية بنسبة متفاوتة، والتكنولوجيا عنصر دخل عالم المسرح منذ زمن قديم يعود إلى أروين بيسكاتور وماكس رينهارت، اللذين استخدما السينما في المسرح، ولكنها انتقلت إلى استخدام الفيديو في رحلة التجريب المعاصر.
وليست التكنولوجيا المسرحية مقتصرة على التيار التجريبي، بل نجدها متوفرة بشكل أوسع في مسارح «برودواي» و«الوست - إند»، وحتى في عروض شكسبير وسواه من أعمدة المسرح، كما نجدها تسللت عبر الإضاءة الليزرية إلى عروض تعتبر تجارية خالصة.
ولعّل أحدث استخدام ناجح للتكنولوجيا عندما افتتح ميوزيكال أندرو لويد ويبر العرض الجديد «ذات الرداء الأبيض» في لندن بإخراج تريفور نن وتصميم وليم دادلي، فقد كان معظم ديكوره عبارة عن تسجيل فيديو بارع جداً في انسجامه مع حركة بعض أجزاء المسرح، من خلفية وأرضية. لكن المهم ليس الإسراف في التكنولوجيا، بقدر ما هي «فكرة التشكيل البصري» بحد ذاتها، والتي تدمغ تجارب معينة بطابع فريد.
محمد سعيد حارب مخرج شاب ويتملكه طموح وخبرة بصرية تبدو أنها تنهل من مخزون مشاهدات عديدة، لهذا فإن عرض «فريج فلكلور» وبهذه المقاييس الفنية العالية وهذه المغامرة في التجريب على أشكال مختلفة من التلقي البصري، ليست سهلة، وقيادة فريق ضخم من العاملين في عرض يتجاوز عددهم ثلاثمئة راقص وراقصة ومؤد وفني خلف وأمام الكواليس تتطلب مقدرة فائقة في ربط العلاقات وتوظيف طاقاتها لإنتاج مشهدية عالية في التقانة.
وهذا الحديث لا يعني إعطائه صك البراعة الأول، ولكن لأنه مخرج شاب ظهر من بين حركة مسرحية وسينمائية مازالت تتلمس خطواتها الأولى في التعامل مع التقنيات.
حيث مازال المسرح في الإمارات ينتج بالأساليب القديمة وبالتقنيات التقليدية، وليست هناك إلا ومضات بين هنا وهناك، لكن هذا الجموح وهذه المغامرة التي يبديها هذا المخرج الشاب وتبنيه واصراره على الانطلاق من محليته وأرضيته الثقافية النابعة من المكان هو ما يشير إلى ان هذه الانطلاقة تمتلك حدا مناسبا من السلامة، فالمغامرات غير المؤسسة على ملامسات دقيقة وذكية ستكون محفوفة بالمخاطر.
تتقاطع في عرض «فريج فلكلور» الموسيقى مع الصور السينمائية التي تتداخل هي الأخرى بين بعضها البعض راسمة مساحة واسعة لانطلاق الخيال، وبهذا تكون الفرجة قد منحت حريتها في التفسير والتأويل البصري، فهناك عناية فائقة ودقيقة بتفاصيل الأزياء، فيما تلعب شاشات العرض القماشية المتداخلة حيلها البصرية.
مرعي الحليان

