احتفالاً بالذكرى المئوية الأولى لقاسم أمين أقامت الهيئة المصرية العامة للكتاب بمصر أمسية ثقافية حضرها عدد كبير من المثقفين والنقاد من بينهم د. وحيد عبد المجيد الذي قال إن قاسم أمين سوف يكون محورا لعدة ندوات ولقاءات ثقافية في الفترة المقبلة، كما ستطبع كل أعماله فيما أصدرت مكتبة الأسرة كتابين لقاسم أمين هما « تحرير المرأة» و»المرأة الجديدة»، وهما الكتابان اللذان أثرا تأثيرا كبيرا في الفكر العربي..
أشار عبدالمجيد إلى أن قاسم أمين قد اشتهر باعتباره مدافعا عن المرأة، ولكنه كان أيضا ضلعا أساسيا في مشروع النهضة، وقد نسب إليه تحرير المرأة لأنه كان من أوائل من أدركوا العلاقة بين تحقيق النهضة وتحرير المرأة. وقد سبقه رفاعة الطهطاوي وغيره في طرق هذا الموضوع في ثنايا كتاباتهم، ولكن قاسم أمين اتخذ من تحرير المرأة شيئا أساسيا أقام عليه مشروع النهضة. وكتب قاسم أمين أول كتاب كامل عن تحرير المرأة وسبقه الشيخ حمزة فتح الله في كتابه أول كتاب كامل ضد تحرير المرأة »باكورة الكلام في تحرير المرأة في الإسلام«، ويتلخص في إخفاء المرأة عن الأنظار. وربما وضعها تحت الأرض إذا أمكن، في حين استند قاسم أمين في كتابه إلى النصوص القرآنية والتعاليم الدينية في تكريم المرأة والحفاظ على حقوقها، ونجد في الوقت الحالي أن مشروع النهضة وتحرير المرأة كلاهما في محنة كبيرة.
إصلاح المجتمعوقال د.أحمد زكريا الشلق - أستاذ العلوم الاجتماعية إننا في أشد الاحتياج لاستعادة العناصر المضيئة في مشروع النهضة والتنوير ومصر لديها تراث كبير من علماء النهضة الذين لعبوا دورا كبيرا خاصة قاسم أمين. وأشار الشلق إلى أن المؤرخين الذين اهتموا بتاريخ الفكر أجمعوا على أن قاسم أمين في كتاب المرأة الجديدة اتخذ اتجاها مختلفا تماما عن كتابه الأول حيث انتهج فيه منهجا دينيا إسلاميا.
ولكنه تعرض لهجوم شديد، أما في كتابه الثاني فاستند إلى أسانيد أخرى غير القرآن والأحاديث، لافتا إلى أن دعوة قاسم أمين كانت رد فعل لجيل جديد عانى كثيرا من الاستعمار فكان لابد من المقاومة، وكان إصلاح المجتمع طريقه للمقاومة، ورأى أن إصلاح المجتمع يبدأ من عند المرأة في حين كان الشيخ محمد عبده يتحدث عن الدين وأنه لا ينافي العلم، واهتم أحمد لطفي السيد بالإصلاح السياسي، أما أحمد فتحي زغلول فنادى بالإصلاح القضائي، وكل منهم ترك تراثا عظيما.
تحرير المرأة
وقالت الناقدة أمينة النقاش: صدر الكتابان على مشارف القرن العشرين بعد هزيمة ثقيلة للثورة العرابية وفي الكتابين كان لقاسم أمين مشروع محدد هو مشروع النهوض بالأمة، وقد ربط تقدم الأمم ومدنيتها والارتقاء بها بارتقاء وضع المرأة في المجتمع ووقتها كان هناك هيمنة شاملة على المرأة.
وفي كتابه الأول«تحرير المرأة» استند إلى الدين الإسلامي، وقال: إن الشريعة منحت للمرأة الحق في التصرف في جميع الأحوال المدنية دون إذن من وليها والكتاب الثاني كان رداً للانتقادات الشديدة التي وجهت إليه في الكتاب الأول، وقد طالب قاسم أمين بالمساواة بين تعليم البنات وتعليم البنين.
وناقش أيضا في كتابه فكرة القدرات العقلية والذهنية والفروق بين الرجل والمرأة، وعندما يقال ذلك في بدايات القرن العشرين يعتبر بمثابة ثورة على الأفكار الراسخة في المجتمع.
مشروع النهضة
وقال د. عبد الباسط عبد المعطي - أستاذ علم الاجتماع إن الظروف المحيطة بمشروع النهضة كانت كلها تسير في اتجاه تغيير المجتمع، ونتساءل: إلى أي مدى كان المفكر قادرا على الصمود، وأن يتبنى فكرا، ويظل يدافع عنه رغم الانتقادات الموجهة إليه، موضحا أن قاسم أمين ركز على قضية مؤثرة في المجتمع كله، ولها أيضا بعد زمني فهي قضية محورية في أي مجتمع من المجتمعات.
وأضاف إن اختياره لقضية المرأة له عدة دلالات منها أن حول المرأة من كونها جسد إلى عقل وكيان يفكر ويعمل ويؤثر في المجتمع، ولكن نجد أن هذه القضية لم تحسم بعد فلا تزال الأمية قائمة وهناك فجوة كبيرة بين تعلم المرأة والرجل ومشاركة المرأة في العمل الاقتصادي لا تتجاوز 28% والواقع يعيد المرأة إلى البيت، موضحا أن مشاركة المرأة في العمل السياسي وغيره ليست بالضرورة دلالة على تحرير المرأة.
خطاب عاجز
أما الناقد د.علي مبروك فيتساءل: لماذا انتهى القرن العشرين إلى هذا العنف والانغلاق والتخلف وهل نحن فقدنا مشروع النهضة أم نحن النتاج الطبيعي لهذا المشروع؟
وقال مبروك إن سؤال النهضة الذي طرح في القرن الماضي هو نفس السؤال المطروح الآن وهو التقدم والتخلف ويتكرر هذا السؤال مع بداية القرن الحادي والعشرين، لأننا لا نعرف إلا نفس الإجابات فنحن نذهب إلى قاسم أمين ورفاعة الطهطاوي وغيرهما لنلتمس منهم الإجابات وننسى أننا نثبت إلى نفس الأوضاع والعيب ليس في الخطاب، ولكن في المجتمع الذي يكرر نفس الخطاب، ولكن لماذا الخطاب عاجز عن التأثير والتغيير في المجتمع؟
والآن، والكلام لمبروك، حان الوقت لكي نحول الإجابات إلى أيقونات وشعارات ثم نسألها، وأتصور أن جيل القرن الثاني والعشرين سوف يطرح نفس القضايا والأسئلة ويقدمون نفس الحلول والإجابات، وعلينا أن نتجاوز هذا الخطاب التقليدي إلى بلورة خطاب نقدي ولابد من مساءلة الخطاب لماذا عجز عن التأثير في المجتمع؟
كما يجب أن يعنى الخطاب بنقد الحاضر، واستشراف أسس المستقبل، وأخيرا يجب أن يدعو للنقد، وليس لاستعادة الخطابات السابقة.
قاسم أمين في سطور
* قاسم أمين من أب تركي وقد ولد بالإسكندرية العام 1862، وكان من طبقة الأثرياء في المجتمع.
* درس في مدرسة رأس التين في الإسكندرية ثم انتقل إلى حي الحلمية بالقاهرة، ودرس الفرنسية ثم التحق بكلية الحقوق وبعد تخرجه عمل بالمحاماة ثم سافر إلى فرنسا ودرس القانون وهناك التقى بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وكان لهما تأثير كبير في شخصيته.
* اختلط بالحياة الفرنسية، وتأثر بها، ولكنه ظل متمسكا بدينه وتقاليده ثم عاد إلى مصر وتولى عدة مناصب.
* كتب عدة مقالات تناول فيها قضايا تصلح للوقت الحالي، وكأن الزمن لم يتغير ثم كتب كتابيه تحرير المرأة والمرأة الجديدة.
وكالة (دار الإعلام العربية)

