أصبحت الفرانكفونية أرضاً لجميع من يكتبون باللغة الفرنسية، أولئك الآتين من جميع بقاع العالم. اختاروا الفرنسية ليعبروا فيها عن إبداعاتهم بعد أن هجروا لغتهم الأم.

ومن أبرز الكتّاب الفرانكفونيين جورج شحادة وألبير قصيري والطاهر بن جلون وأمين معلوف الذين فازوا بجائزة غونكور الأدبية التي تعتبر من أرفع الجوائز الأدبية في فرنسا. وها هو الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي، يُتوج بهذه الجائزة الرمزية التي تضمن لكاتبها مبيعات تُقدر بحوالي نصف مليون نسخة إضافة إلى ترجمة أعماله إلى معظم لغات العالم.لماذا هذه الجائزة لهذا الكاتب الأفغاني؟يؤكد الناقد فرانسوا شاندرناغور رواية «سيغني سابور» أي «حجر الصبر» فرضت نفسها على الأحداث الساخنة، وأفغانستان بلد يعني الجميع ويحاول الفرنسيون والغربيون أن يفهموا ما يحصل هناك». وعندما قرأ أعضاء أكاديمية جائزة غونكور هذه الرواية لم يستطيعوا حبس أنفاسهم، بل إن بعضهم قال إن القاموس ليعجز عن التعبير عن هذه الرواية.

بعد أن كتب عتيق رحيمي ثلاث روايات باللغة الفارسية، لجأ في روايته الرابعة «سيغني سابور» إلى كتابتها باللغة الفرنسية مباشرة ليخاطب القارئ الفرنسي الذي يتوق إلى كل ما هو غرائبي ومجلوب من الخارج. وكان عتيق رحيمي قد غادر بلاده بعد أن تلقى دراسته في كابول وذلك خلال الحرب التي شهدتها في الثمانينات من القرن الماضي حيث هاجر إلى باكستان ثم طلب اللجوء السياسي إلى فرنسا وحصل على شهادة دكتوراة من جامعة السوربون في الوسائل السمعية والبصرية. وعلى الرغم من حصول الكاتب الأفغاني على الجنسية الفرنسية إلا أنه ظل متعلقاً بوطنه الأم وقضايا شعبه حيث احتج علنياً على طرد 54 أفغانيا دخلوا فرنسا بصورة غير شرعية من بوابة ميناء «بادي كاليه» في الأسابيع الماضية بل وطالب السلطات منحهم اللجوء السياسي الذي استفاد منه هو نفسه في نهاية الثمانينات.

وقال إن «إرسالهم إلى بلدهم، يعني وضعهم في مستقبل غامض، لا تعرف نتائجه، بل أن مخاطرة تركهم في أيادي الإسلاميين المتطرفين يعني تشجيعهم على تحويل خيبة أمل الشباب وإحباطاتهم إلى أغراض دينية متطرفة». أهوال الحرب بين جدران غرفة واستوحى الكاتب عنوان رواية من عبارة «حجر الصبر»، التي تُطلق في التراث الأفغاني على حجر سحري يفضي إليه الناس بما يعانون من يأس وألم. ». وكما في الأساطير الأفغانية يستمع إليك، ويمتص كلماتك، وأسرارك، حتى يأتي يوم ينفجر فيه الصبر. وقد انفجر صبر هذه المرأة الأفغانية، بطلة الرواية، التي عرفت الاضطهاد والبؤس والشقاء، لتعبر عن عذاباتها وآلامها وعبوديتها.

ورأى النقاد في رواية رحيمي عملاً يتميز بالبوح الشاعري والحزين الذي يجسد نزوع الأنثى إلى الحب والحرية، اعترافات امرأة تحررت من القهر الزوجي والاجتماعي والديني، لتبوح بكل ذلك أمام زوجها الذي أصيب بشلل كلي، فاقداً وعيه لأنه أصيب برصاصة في رأسه في الحرب الأفغانية، وتقوم زوجته بالسهر عليه، وهي تصلي وترفع يديها للدعاء وتلفظ أسماء الله الحسنى» القهار.. القهار.. القهار» قرابة تسع وتسعين مرة، من أجل خلاص زوجها أو بالأحرى للخلاص من زوجها.

وما سببّه لها من عذابات وشقاء. وسرعان ما يتحول وعيها، وهي تتلفظ لأول مرة بكلمات ممنوعة ومحظورة وجريئة، لم تكن تتجرأ على النطق بها قبل شلل زوجها، وتقوم بإدانة الرجال وحروبهم وتلعن زوجها الضحية، هذا البطل المغرر به في هذه الحرب.

ويضع الكاتب عتيق رحيمي كل شاعريته في هذه الرواية، من خلال التعبير عن رجل محارب، مهوس بتفاخره بفحولته وقوته. تدور أحداث هذه الرواية في أفغانستان ولكنها يمكن أن تقع في أي مكان يشهد الحرب. وتقع جميع أحداثها في غرفة واحدة فقط، تجسد أهوال الحرب التي لا نشعر بها ولكنها قريبة من نافذتها، تعبر عنها بحركاتها وإيماءاتها وتمتماتها وأحاسيسها الداخلية. بعد الصراخ، يأتي الصمت، حيث تتحرر من الماضي.

لقد وضع الكاتب الأفغاني نفسه تحت جلد هذه المرأة الجريحة بمشاعرها وأحاسيسها التي تحررت من وعيها التقليدي، بعد أن كانت رغباتها الأنثوية حبيسة وجسدها مُغيب. وخرجت من سجنها لتنتقم بل ولتعيد الاعتبار إلى ذاتها المهانة، ولم تجد سوى الانخراط في رغباتها الحسية والجسدية والإنسانية، وتقف ضد نفاق المجتمع، قائلة: «أبيع جسدي، كما تبيعون أنتم أيها الرجال دماءكم».

عتيق رحيمي يعمل من خلال «حجر الصبر» إلى التعبير عن معاناة النساء الصامتات، في الظل، ويمنحهن ذاكرة. وقد نجح المؤلف أن يجعل من هذه المرأة التي لا نعرف حتى اسمها إلى رمز للمرأة التراجيدية على الطريقة اليونانية، وهي تقول (هذا الصوت الذي يخرج من حنجرتي هو صوتي المحصور منذ آلاف السنين). تكتشف المرأة نفسها، وتخرج عن عزلتها، وتتحسس جسدها، وأحلامها المجهضة، وزواجها الذي أجبرت عليه، وأختها التي بيعت إلى رجل طاعن في السن.

نساء صامتات

عتيق رحيمي يعمد من خلال «حجر الصبر» إلى التعبير عن معاناة النساء الصامتات، في الظل، ويمنحهن ذاكرة. وقد نجح المؤلف أن يجعل من هذه المرأة التي لا نعرف حتى اسمها إلى رمز للمرأة التراجيدية على الطريقة اليونانية، وهي تقول (هذا الصوت الذي يخرج من حنجرتي هو صوتي المحصور منذ آلاف السنين). تكتشف المرأة نفسها، وتخرج عن عزلتها، وتتحسس جسدها، وأحلامها المجهضة، وزواجها الذي أجبرت عليه، وأختها التي بيعت إلى رجل طاعن في السن.

حجر الصبر

استوحى الكاتب عنوان رواية من عبارة «حجر الصبر»، التي تُطلق في التراث الأفغاني على حجر سحري يفضي إليه الناس بما يعانون من يأس وألم. ». وكما في الأساطير الأفغانية يستمع إليك، ويمتص كلماتك، وأسرارك، حتى يأتي يوم ينفجر فيه الصبر. وقد انفجر صبر هذه المرأة الأفغانية، بطلة الرواية، التي عرفت الاضطهاد والبؤس والشقاء، لتعبر عن عذاباتها وآلامها وعبوديتها.

شاكر نوري