هل من صلة بين العطر بمفهومه الكيميائي والرائحة التي يبثها في محيطه وبحسب تركيبه؟يظهر جليَّاً أن العطر معرَّف به من خلال رائحته، ولكن كيف يجري تمثيل العطر؟ بمن يحمله!لا أظن أن ثمة من يرفض العطر في جوهره من خلال علامته الفارقة، تلك التي تتميز بالقدرة الهائلة على الانتشار وإثارة الانتباه الشمّي، ولهذا فإن ثمة من يتحفظ عليه، أي يبقى بعيداً عنه.
بين العطر والإنسان ثمة خيانة جلية للأصل! حيث إن المشموم يمثّل حقيقة العطر، ولكنه في واقعه يرتد إلى المتعطر، رغم التشهير بالاسم أو إعلانه بماركته وجِهة الصنع كذلك، وكأن العطر عنصرٌ خَدَمي لا يعود معترَفاً به إلا من خلال من يحمله، وفي الجانب الآخر لا يعود المأخوذ بالعطر يعرّف بنفسه هنا شمّياً، إلا من خلال ما يصدر عنه من رائحة وهي لا تمثّله، كما لو أن المتعطر يخشى من رائحته الأصلية، فغيّبها مستعيناً بالعطر المجلوب من الخارج!
ثمة عمالة مزدوجة على صعيد التمثيل، بما أن العطر يفقد صلته بمنبته الطبيعي، ولو أنه يشي به ضمناً، ويكون في مقام اللباس للآخر أي وهو شمّي، مثلما أن المتعطر تقديراً يسعى جاهداً إلى التعريف بذاته، بما هو عليه عبر تقنيات بخَّاخة هي حالة استحمام ما، وفي الأعمق إحالة للذات إلى طبيعة عطرية تضع الآخر مقابله في صورة المنخطف بهيئة العطرية وليس دونها!
نعم، لا بأس من التشديد على العلاقة القوية بين بنية الحضارة في إنجازاتها العملية الهائلة، والدور المزدوج لها بالنسبة للصانع، فهي بالقدر الذي تؤكد على تنامي «ذرّيتها» المصنعة، تمارس تغليفاً تصاعدياً لذات الإنسان، إذ تبعده عن جوهره الفعلي حتى على صعيد العلاقات الاجتماعية وفي تمثيل القيم، كما الجاري باسم العطر، وإذ ليس من مكان إلا ويكون العطر مرذرذاً في نطاقه، حتى الطعام يكاد يختلط بالعطر بسبب التهافت عليه.
إن صانع العطر هو الوحيد الذي يعلم بسر عطره وهو متباه به، ما يثيره العطر في الجسد تبعاً لنوعه وبحسب المكان وطريقة إعداده، ليكون العطر هذا خانة انتساب للمعنيين به، وكأن لا فكاك منه، ولكن الصانع ربما، يكون هو المخدوع الأول بما يصنع عندما يعتبر المنتوج أثراً من آثاره النفسية، وبالمقابل عندما ينسى المتعطر أو يتناسى أن ثمة عطراً لا يمكن التدخل في مقاديره تركيبياً، أو تسميتها بحسب الرغبة أو الطلب.
وكما هو المشتهى، وأعني بذلك عطر الروح المتعلقة بحقيقة الإنسان من الداخل، من خلال علاقاته الفعلية بالآخرين ومردودها القيمي، لهذا فإن الذين يتخذون موقفاً سلبياً من العطر، لا ينمُّون عن وعي نبذيٍّ لذات العطر مطلقاً، وإنما يؤكدون خفَّته أو أهميته وكيف يضحَّى به، وكونهم يسعون إلى إعادة الأمور الخلافية إلى نصابها، والإنسان فيما يقوله ويفعله بالدرجة الأولى، فما يصدر عن جسد المرء في طبيعته يكون عطراً من نوع مختلف، تلك زمرته العطرية غير القابلة للتزييف، أو أهليته لعطر معين يتناسب تقديرياً وما هو عليه واقعاً، أي من خلال شم مغاير ذوقياً في محيطه.
هؤلاء هم حرَّاس العطر والمستميتون في الدفاع عنه في اسمه، دون أن يلوذوا به أو يطلبوه ويغلّفوا أجسامهم به، ضداً ما على الرائحة المتعلقة بأجسادهم، تلك التي لا يرتاح إليها الكثيرون من أصحابها، وكأنهم يرفضون حقيقة وجودهم داخل الأجساد تلك، ليجدوا مهادهم الذوقي الشمي فيما يركَّب خارجاً، وهنا في وسع الباحث في دلالات العطر، وما تعنيه خيانة الأصل إجراء مقارنة تاريخية وجمالية بين من يكون عطره مبثوثاً في كامل جسده، بطريقة شم مقدَّرة من قبل المحيطين به، يدل عليه حتى ما بعد رحيله، وآخر يرهن وجوده الجسدي كثيراً بعطر سريع التبدد هو صانعه يكون الداخل في حِماه، باعتباره أصله الأول وليس فصله الملحق به !
إبراهيم محمود
