الحب حالة قصوى من الضعف الإرادي تجاه شخص آخر تجد نفسك مندفعا لأن تحبه، وتوليه كل عنايتك، شخص يهيمن على كل مفصل من مفاصل القوة لديك، وترى نفسك مترددا في موقف ترغب أن تقول له: لا.
لحظات الضعف الكبرى في حياة الإنسان تكمن في عمق لحظات حبه الكبرى. لذلك نجد أن كلمات الاعتراف الأولى بمشاعر الحب تكون ممزوجة بقلق، وحذر، واضطراب، وإرباك بالنسبة للمحب الذي يندفع كي يعبر عن دفق مشاعر حبه، هذه الأعراض التي تزداد وهنا قدر ما يرزح العاشق تحت سطوة هيمنة قوة الحب التي تجتاحه من سحرية الطرف الآخر.وهو يقف قبالته في هيبة امتحان، ليس امتحان فصل، أو امتحان مرحلة عمرية، بل امتحان الحياة برمتها. يتحول الضعف هنا إلى مرتبة متقدمة من مراتب أصالة المشاعر، وهو يحاول النجاح في تحميل الكلمات فيض الأحاسيس التي تسكنه، ملتمسا ركاكة الألفاظ ووهنها أمام قوة تلك الأحاسيس.إنه هنا يقف أمام أعز كائن لديه، كائن اقترن وجوده بوجود الحياة ذاتها، ولديه استعداد روحي لأن يخسر الحياة على أن يخسر هذا الكائن الأقرب من الروح إليه.
قوة الحب إن خسارة الحب الكبير بالنسبة للإنسان هي منتهى الخسارة التي لا بعدها خسارة. عندما خسر أراغون إلزا، أدرك جيدا بأنه مني بالخسارة التي لا تعوض، ولذلك لبث يعيش في المنزل الذي عاشا فيه يسترجع ذكرياته معها. كان يكتب لالزا أجمل قصائده، أحيانا ينظر إلى عينيها، ويهتف: «المرأة هي مستقبل العالم.. وأنت مستقبلي». مع تجربة أراغون نقف مع فاجعة خسران الحب الكبير الأوحد، ودعته إلزا وهي على ذراعيه، أغمضت عينيها، وهي تنظر إليه النظرة الأخيرة، تختتم به آخر ما ترى في العالم. شاءت الظروف أن يعيش أراغون أسوأ أمسية مرت عليه، أمسية فقدان الحب الكبير، فقدان المرأة العظيمة التي حولت مجرى حياته، ومجرى إبداعه، ولكن ما الذي يتبقى للإنسان إذا خسر الحب الكبير، إذا خسر المرأة العظيمة التي لن يكون لها أي بديل، وبذات الوقت لاتقبل أن تتحول إلى ذكرى. دوما هو الرعب من موت الآخر الأقرب ألينا من ذواتنا، الآخر الذي يقترن وجوده بوجودنا. ولم يشأ أراغون أن يقول شيئا عن تلك اللحظات الرهيبة ،لحظات فقدانه لإلزاه، ولكن في نهاية حياته شاء أن يتحدث عن تلك الوقائع التي عاشها ربما لأنه أحس بأن مستقبل اللقاء بها بات قريبا. قال أراغون: «اليوم تزداد تلك الصورة المأساوية لهيبا وولعا وحسرة.. صورة موت إلزا». وكلما مضت الأيام، كلما اقترب مستقبل اللقاء بها.
ذات مساء حزين عدنا إلى البيت، بيتنا في «سانت موريس» بعد أن تجولنا يوما كاملا في ضواحي المدينة، لقد أحسست أن التعب أنهك إلزا في ذلك اليوم المشؤوم، قررت العودة إلى البيت، كانت شبه صامتة، وقد أقعدها التعب بسرعة، وفي الصباح كانت بجانبي. حاولت أن أكلمها، فلم تجبني.
هنا ولأول مرة ينتابه قلق كبير على إلزا، كانت توحي له بأنها مسافرة دون عودة.
يقول واصفا إرباكه في تلك اللحظات الحاسمة:
أسرعت وبحركة جنونية طلبت الطبيب، وجاء على عجل، وبلحظة تطلع الطبيب نحوي، وقلت في نفسي: هل أسمعه ماذا يقول، أم اسمع دقات قلب الزا، إنها المستقبل، وليس هو، لكنه الماضي قد سبقني قائلا: هل تستدعيني من أجل جثة هامدة يا أراغون؟!
هنا أحسست بدوار قاتل، لم أعرف ماذا أفعل، لا أدري أين أتجه: لقد ماتت إلزا، لا أحد يذكرني بها. المرأة هي مستقبل الرجل.. هكذا أصرح دائما، لا أريد أن أتعذب كثيرا».
ولكن كيف سارت حياة أراغون بعد موتها ؟ تلك الحياة التي لبثت في شبه خفاء، الجميع كانوا يرونه في كل المحافل والملتقيات برفقة إلزا، لم يكن يتجه إلى مكان دون أن تكون برفقته، هل له أن يخرج ويمارس حياته كأن شيئا لم يكن، حينذاك كان يتخيل بأنه ترك إلزا نائمة في البيت وخرج دون علمها.
يصور حالته قائلا: «إلزا التي شاركتني الحياة والمستقبل شاركتني الآلام والعذاب.. إلزا التي شاركتني كل ما في الحياة من نبضات.. كانت هي مستقبلي.. وكانت هي شعري.. وكانت هي حروف المعرفة والمستقبل في حياتي.
وعن حياته في البيت الذي أصبح يفوح برائحة حبهما يقول أراغون:
في غرفتها الخاصة وعندما أدخلها أحيانا بحثا عن كتاب أو مخطوط... لا أمكث كثيرا لأني أخاف من حضورها وأخاف من لهيب ذكرياتها، أخاف لأنها ورغم مفارقتها لي ما زالت تعيش في عقلي ووجداني. في غرفتها أراها تنام، أراها تستيقظ، أراها تأكل، وأراها تشرب، وأراها تبكي، وأراها تضحك... حتى الدواوين التي كتبتها عن إلزا بقيت في غرفتها: «مجنون الزا» «عيون الزا» لا أقوى على قراءتها بعد موتها.. أخاف أن أحترق مرة أخرى بحبها، أخاف أن أشقى مرة أخرى في فراقها.
ويلخص لها أراغون ما يريد أن يخبرها به قائلا:
«ما من حب سعيد
سواء كان حبك أو حب الوطن»
في حياتي وبعد موتها.. كل شيء يحدثني عنها... كل شيء ينطق باسمها: الكتب.. الفراش.. الاثاث... أشياء المنزل كلها تنطق باسم إلزا.. لا حياة لي بعد إلزا.. لا وجود لي بعد إلزا.. كنت أطوف مع إلزا في مقاهي باريس، وأرياف فرنسا ،، ولم يكن عندي مكان مفضل سوى ذلك المكان الذي تختاره إلزا».
مما قاله أراغون في حب إلزا:
يا حبي العظيم، يا سبب هلاكي، الحب السعيد لا يمكن أن يوجد
ولكن حب أحدنا للآخر، كان هو الحب المؤكد.
أدور في نور النهار ووجدان الليل
أحمل تلك المرأة في دمي
كما تحمل غابة صوتها
كيف أستطيع الكلام عن شيء فلا يتحول كياني إليها
هي كل ما أحكي كل ما أحس كل ما ألمس
كل ضوضاء منها كل صمت كل اختلاج
عيناك عميقتان جدا، حد أنني لما انحنيت لأشرب
رأيت كل الشموس فيهما
عيناك عميقتان حد أنني أفقد فيهما ذاكرتي
الحب وتعميد النفس
إنه الحب الذي يضفي على الحياة إشراقة، ويضفي على العمل بهجة، فترى المحب يعيش إشراقة الحياة، ويستمتع ببهجة العمل. إنه يمتلئ بمسؤولية تجاه كل يوم يعيشه، وتجاه كل خطوة يخطوها، كل نظرة ينظرها، كل كلمة يقولها. يشعر بأن الطرف الآخر يسمعه، ويراه، ويحدسه. يسعى ما بجهده كي يكون معطاء حتى يكون جديرا بالحياة التي يكتشف من خلالها جماليات وهج العاطفة.
بما أن الحب هو حالة صفاء من نقاء المشاعر، فإن الطرف الآخر الذي نرتقي إلى - وليس نقع في - حبه يتمتع بمقومات الاستثنائية، إنه شخص استثنائي بامتياز، وهذا ما يجعل العقبات التي يمكن أن تعيق مسرى تفجير ثورة المشاعر نحوه في حالة زوال.
الحب هنا يعمّد النفس، ويطهرها من الآثام. كان فرانز كافكا يقول لحبيبته نجس «أنا يا ميلينيا نجس، لذلك كل هذا الحديث حول الطهارة».
إن قوة نقاء الحب هنا تجعل الإنسان يشعر بحاجته القصوى كي يرتقي في درجات الطهارة حتى يكون بمستوى تلك المشاعر الكبرى التي يعيش في بهاء معانيها.
إنها معادلة يلتمس الإنسان معها مساحة ما لديه من إيجابية عندما ينوضع أمام كائن بالغ الشر، ويلتمس مساحة ما لديه من سلبية عندما ينوضع أمام كائن بالغ الخير.
هنا أيضا يمكن أن نستنتج شيئا من فشل سيمون دي بوفوار الذريع في محاولاتها الجادة كي تكره نفسها على التوقف عن حب سارتر، حتى أنها في حياته لجأت إلى طرق ملتوية كما أوردت من خلال نشرها للرسائل التي نشرتها بعد وفاة سارتر، وفيها تسلط الضوء على تلك الطرق الملتوية التي كانت تسلكها كي تتخلص من طغيان حب سارتر، ويمكنني استنتاج أنها لم تجرؤ على نشر تلك الاعترافات في حياته حتى تبقى محافظة على مساحة من نقائها لديه.
كانت في الواحدة والعشرين وكان في الرابعة والعشرين يدرسان الفلسفة ويعيشانها ويسعيان في تلك الفترة المبكرة إلى نمط جديد من التفكير. تتذكر وقائع اللقاء الأول به: / كانت المرة الأولى التي أشعر أنني ألتقي بإنسان أشعر أمامه بالضآلة /.
عُرفت بعلاقتها القوية مع جان بول سارتر، و تعاونا معا أثناء الحرب العالمية الثانية في حركة المقاومة.
لكنها لم تسمح لسارتر أن يفقدها خصوصيتها وشخصيتها رغم كل ذاك الإعجاب والتعلق الفكري والروحي ،، فهي ذاتها سوف تكون صاحبة مجد أدبي، وحصلت على أرفع جائزة في فرنسا وهي جائزة / كونكور / 1954 عن روايتها / رجال الفكر / قبل أن يحصل سارتر على نوبل بعشر سنوات. أي بعد عام واحد من / الوجود والعدم / في عام 1958، كما اختيرت رئيسة للرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان.
ولننظر على قوة هذه الرابطة بينهما في قولها: / الحقيقة أنني كنت منفصلة عن سارتر بالقدر الذي كنت التحم فيه مع هذه الشخصية.. كانت علاقتنا جدلية. أحياناً كنت أشعر بأنني على مسافة لا معقولة منه، وفي أحيان أخرى كنت أشعر كأنني النصف الذي يكمل النصف الآخر. أخذت منه وأخذ مني، وبالتأكيد لم أكن تابعة له. وكان سارتر يقول بأن سيمون دي بوفوار تجمع بين ذكاء الرجل، وحساسية المرأة.
وكما أنها بدأت حياتها مع جان بول سارتر، فسوف تنهي عمرها بكتابها الأخير الذي تسميه «وداعا سارتر» عام 1981 تسرد فيه بعض الوقائع التي لم تكن معروفة عن سارتر وتقول بأنه هديتها الأخيرة إلى الرجل الذي أمضت معه حياتها: «لقد كان رجلا حقيقيا يعرف كيف ينتمي إلى الحقيقة وكيف يبحث عنها وعندما وضعت كتابي كنت واثقة أن هذا أفضل ما يمكن أن يقدم لرجل لا يزال حيا، كشفت عن سارتر الجانب الذي كان الناس يريدون أن يعرفوه، فلسفته ليست تعبيرا امبراطوريا عن أفكار تجول في وجدان الشخص، إنها الدخول إلى أعماق الناس. حاولت أن أضيء بعض المشاهد غير المعروفة في حياته لكي أظهر كيف أن الارتجاج هو انعكاس جزئي لزلزال يتشكل داخل عقل الفيلسوف».
لقد استسلمت لقوة حبها لسارتر، وقررت أن تقيم في منزل يشرف على مقبرته، وأوصت أن تدفن جواره، لم تستطع الابتعاد عنه حتى وهو ميت، وقد حدث ذلك عندما توفيت يوم 14 - 4 سنة 1986.
إذن نحن نحترم الحب الكبير الذي جمع بين بوفوار وسارتر، لأننا هنا نقف أمام عظمة الحب الذي يمكن أن يربط بين كائنين عاقلين بكل ذاك الجبروت.
سحر الحب
يكتب رامبو عن سحر الحب الذي يسكنه ويلهب حواسه فيصور مشاعره قائلا للمرأة التي يحبها:
«في الشتاء سنمضي بعربة وردية ذات وسائد زرقاء، يالسعادتنا.. سنخبئ في كل زاوية صغيرة عشا من القبل المجنونة.. ستغمضين عينيك فلا ترين أي شيء.. وعبر الزجاج تتراقص ظلال المساء القاتمة تلك المسوخ الشكسة الدهماء من الشياطين السود والذئاب السود، ثم تشعرين شيئا يدغدغ خدك.. قبلة صغيرة مثل عش عنكبوت طائش يجري على عنقك..
فتحنين رأسك وتقولين: أبحث عنه » .
ويمكننا اكتشاف سحرية الحب في مسرحية ألبير كامو / صلاة إلى بتول /
في هذه المسرحية يطرح كامو قضية الحب والموت بشكل إنساني مؤثر.
وهي من المسرحيات التي تطرح الحساسية العالية في علاقة حب عميقة، ولكن الشاب يقلقه دوماً الموت الذي يبعده عن حبيبته.
البطل ينتابه قلق وجودي، وهو يتخيل موته، والابتعاد عن حبيبته، وفي هذا القلق ينادي:
/ دييجو/ حبيبته: إنني أكره جمالك لأنه سوف يحيا بعد موتي... ملعون هو لأن غيري سيتمتع به... لن أكون وحدي هناك... ماذا يهمني من حبك إن لم يتعفن معي.
الحياة تقترن هنا بوجود مَن نحب، وإذا خلت الحياة من الحب، خلت من الدفء.
يقول دييجو: لا أريد أن أموت وحدي وأغلى شيء عندي في العالم يشيح بوجهه عني ويرفض أن يتبعني.
وتأتي الإجابة، فتقول فكتوريا جملتها الرائعة: إذا كان يجب أن تموت يا حبيبي ، فإنني أحسد حتى الأرض التي سوف تقترن بجسمك.
والحب يضفي سحرية حتى إلى المكان الذي يسكنه من تحب ويضفي سحرية على كل ما يفعل، ففي رواية مرتفعات وذرنغ تصف كاترين هذا الحب في أكثر المقاطع اشتعالا:
«أحب الأرض تحت قدميه، والهواء فوق رأسه، وكل شيء يلمسه، وكل كلمة يقولها.. أحب كل نظراته وكل أفعاله، أحبه بكل مافيه، أحبه بمجمله».
الحب الغائب
ليس بالضرورة أن يحظى المحب بمن يحب دوما، فيمكن أن يعيش الشخص في حالة حب دائمة وهو بعيد عمن يحب.
وهو شكل من أشكال الحي يذكرنا ببيت لعنترة وهو في ساحة القتال عندما يتذكر عبلاه:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل
مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم
وفي هذا يحضر «كثيّر» ليكتب عن الحب بقوة بعد أن ذاقه:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا
ولا موجعات القلب حتى تولت
وما يزيد الأمر دهشة أن زوج عزة يرغمها على أن تذهب إليه وتشتمه وتوبخه، فتضطر مرغمة إلى ذلك، ولكن الحب لا يتحول إلى كراهية فيجيبها:
فقلت يا عز كل مصيبة
إذا وطنت يوما لها النفس ذلت
أسيئي بنا أو احسني لا ملومة
لدينا ولا مقلية إن تقلت
هنيئا مريئا غير داء مخامر
لعزة من أعراضنا ما استحلت
يتحدث جميل بثينة عن ثورة حبه نحو حبيبته الغائبة عنه، وهنا لون من ألوان الحب يدفع إلى تعابير غنية أخرى عن دفق المشاعر. يقول:
إذا خدرت رجلي وقيل شفاؤها
دعاء حبيب كنت أنت دعائيا
وما زادني الواشون إلا صبابة
ولا كثرة الناهين إلا تماديا
ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني
أظل إذا لم ألق وجهك صاديا
لقد خفت أن ألقى المنية بغتة
وفي النفس حاجات إليك كما هي
إنه الحب الذي يهزه الغياب، الذي يتحول إلى حضور أكثر اشتعالا من الحضور الجسدي وهذا الغياب السحري هو ذاته الذي يدفعه لأن يصورها بقوله وتصويره:
هي البدر حسنا والنساء كواكب
وشتان بين الكواكب والبدر
لقد فضلت عل الناس مثلما
على ألف شهر فضلت ليلة القدر
الحب يفجّر طاقات الإنسان نحو الخير والبناء، إنه قوة جبارة ضد التنازلات الكبرى ضد السقوط الذريع الذي يتعذر النهوض بعده.
من الحب تولد زهور العفاف، وعذوبة النقاء، وإمكانية الاستمتاع بقيم الإنسان والطبيعة في علاقة عذوبة أبدية بين الإنسان والطبيعة، بين الإنسان والإنسان.
الحب هنا يبني الإنسان، ويدفعه إلى الامتلاء بالحياة، ولأن يكون صاحب قضية وصاحب موقف.
الحب هو بيت الإنسانية الكبير الذي يتسع لكل محبي العالم.يلبث الحب مشرقا في حدائق قلوب المحبين، ويملأ المدن بروائح الحياة، يملأ سكانها بأنوار الحياة، وأنوار الإنسان.
عبد الباقي يوسف


