«العدالة للأغنياء والأقوياء. والمؤرخون المستقبليون يعلمون أنهم لا يستطيعون الاعتماد على التقارير، وأن عليهم البحث عن مصادر أخرى لمعلوماتهم. على الحكومات أن تدرك أن الجريمة التي لا تعاقب تنجب مجرمين». قول للأديب والروائي والصحافي الهندي خوشوانت سينغ الذي اشتهر في الغرب كما في موطنه الهند.

ولد سينغ في 2 فبراير 1915 في اقليم البنجاب، ودرس في طفولته في لاهور وانتقل بعدها إلى دلهي ثم إلى كامبردج ليتخرج من جامعة كينغ. ليعمل في المحاماة في لاهور بعد عودته. وبعد اضطرار عائلته للانتقال إلى الهند إثر قرار الانقسام عام 1947، عمل في السلك الدبلوماسي في وزارة الشؤون الخارجية، فذهب إلى لندن وبعدها كندا، كما عمل في باريس مع اليونيسكو، إلا أنه سرعان ما شعر بالملل وترك الوزارة. انضم بعدها إلى محطة إذاعة «كل الهند» عام 1951 كصحافي. وكانت تلك النقلة بداية انطلاقته في عالم الكتابة، حيث ساهم في تأسيس وتحرير العديد من الصحف الكبرى، وله شريحة واسعة من القراء سواء في الداخل أو الخارج.

كما ظهر في العديد من المقابلات التلفزيونية. ويعتبر كتابه التاريخي «تاريخ السيخ» مرجعا أكاديميا قيما، كما كتب العديد من الروايات من أدب الخيال والأدب الواقعي والتي ترجمت إلى العديد من اللغات بما فيها العربية. وتعتبر روايته الأولى «قطار إلى باكستان» من أهم أعماله وحققت له شهرة عالمية واسعة، لكونها عملا تاريخيا صور مرحلة ما بعد استقلال الهند، ونال عنها جائزة غروف العالمية للصحافة عام 1956.

نشر بعد ذلك روايته «لن أسمع العندليب» عام 1959 وتلاها بروايته «صحبة النساء» عام 1999، وذلك إلى جانب نشره للقصص القصيرة إلى جانب نص فيلم وثائقي بعنوان (العالم الثالث ـ صحافة حرة) عام 1982. تدور أحداث رواية «قطار إلى باكستان» عام 1947 بعد الحرب العالمية الثانية في قرية مانوماجرا الصغيرة الهادئة، التي تقع على مشارف الحدود مع باكستان، التي يعيش سكانها في وئام على الرغم من اختلاف دياناتهم والمجازر المنتشرة في أرجاء الهند بين المسلمين والسيخ والهندوس التي كانوا يسمعون عنها من القرى المجاورة.

وأبطال الرواية شخصيات متباينة، تعكس مختلف شرائح المجتمع سواء في القرية أو المدينة أو أي مجتمع آخر، فهناك الحاكم الفاسد حكم شاند، الذي يستغل منصبه لتحقيق مصالحه ورغباته الخاصة على الرغم من إدراكه لقدرته على عمل الخير. وشخصية المثقف المفكر إقبال الذي درس في الغرب وعاد مناديا بالشيوعية، وأخيرا شخصية الشاب جوغوت سينغ، فتى العصابات المتردد على السجن بصورة دائمة.

ويتعرف القارئ في الفصول الأولى، على الحاكم الفاسد وقذارته الخارجية التي تعكس السوء الذي في داخله وعدم تردده في تطويع القانون تبعا لأهوائه ومصالحه والمدرك لقدرته الداخلية على فعل الخير والتي كان يخمدها بالكحول. وكذلك على إقبال الذي يحاول من خلال حواراته الطويلة مع نفسه، الوصول إلى الحل الأمثل لوقف المجازر الدموية التي تعم البلاد، والتأرجح بين الموضوعية والمبادرة العفوية وفرض القوة. واللص جوغوت الشاب المتمرد من السيخ ابن العصابات الذي يحب خطيبته نور ابنة الملا شيخ الجامع، والتي تحمل في أحشائها ابنه منذ شهرين.

وتتجلى حبكة العمل، حينما يفاجأ المسلمون من أهل القرية بقرار ترحيلهم إلى باكستان تبعا للانقسام الذي فرضته بريطانيا على الهند بعد استقلالها وذلك بهدف حل أزمة الصراعات الدينية، حيث هجر المسلمون إلى منطقة تجمعهم التي دعيت بباكستان. وأجبروا على مغادرة القرية والعيش في محطة اللاجئين تمهيدا لنقلهم بالقطار إلى باكستان، دون أن تتاح لهم أو لجيرانهم وأصدقاء عمرهم فرصة توديعهم، ودون رغبة منهم في اقتلاعهم من جذور أرض أجدادهم وأصدقائهم الذين عاشوا في وئام معهم، ليعيشوا في بلد غريب.

يصل القطار إلى محطة قريتهم قادما من الباكستان الذي يفترض نقله للسيخ والهندوس إلى الهند. وحينما يفتح السكان أبواب الحافلات تشلهم الصدمة أمام رؤية أشلاء وجثث الأطفال والنساء المغتصبات والرجال والمسنين من السيخ الذي قضى عليهم المسلمون في باكستان كرد على المجازر الدامية. وينشأ الشقاق في القرية بتفعيل من ذوي العقول المتطرفة لدى كلتا الجهتين مع سلبية الحاكم ولا مبالاته، ويخطط السيخ للانتقام بقتل المسلمين الذين سيحملهم القطار إلى باكستان.

وفي حين يستمر إقبال في التفكير بالصورة الأمثل لحل القضية بموضوعية، يلحق جوغوت بالقطار ويصعد إلى سطحه غير مبال بصيحات الجنود ويبدأ بقطع الحبل الذي سيؤدي إلى وقف القطار لاحقا وذبح من فيه، وذلك لإنقاذ خطيبته وابنه القادم ومن معهما. وعلى الرغم من إصابته المتكررة بطلقات الجنود، ينجح في قطع الحبل قبل موته، وبالتالي ضمان سلامتهم.

الكتاب: قطار إلى باكستان

تأليف: خوشوانت سينغ

الناشر: أورينت بلاك زوان 1988 ـ نيودلهي

الصفحات: 207 صفحة

Train To Pakistan

Khushwant Singh

Orient Blackswan, 1988 - New Delhi

207 P.

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae