دأبت بعض المعارض الأوروبية للكتاب على تعزيز هويتها الوطنية عبر تقديم نماذج من ثقافتها الفولكلورية خلال المعرض، حيث إن معظم تلك المعارض ليست مجانية، وهناك رسوم لمن يريد زيارة المعرض،تصل أحيانا إلى ثلاثين يورو لليوم بأكمله، وقد أدركت إدارات تلك المعارض أن الطريقة المثلى في نشر الثقافة هو تشجيع الزوار على ارتداء أزياء وطنية وشعبية والسماح لهم بالدخول مجاناً إلى المعارض.

هذا كان أحد مشاهد معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، فقد كان الزائر يلحظ انتشار أزياء تاريخية بين شرائح الشباب جاءوا بها إلى المعرض ليتباهوا بها وليحصلوا على زيارة مجانية ليوم بأكمله لأروقة المعرض، فضلا عما تمثله تلك الأزياء من تميز على المستوى الشخصي والمناطقي، لأن ألمانيا متعددة الثقافات وكل زي يمثل ولاية، بل يمثل فولكلوراً لا تنقصه الزركشة أو الألوان القوية التي تزيدها أعمار اليافعين بهجة.

حكمة تشجيع الشباب على ارتياد المعارض تصب مباشرة في خانة تعزيز الهوية الوطنية للمجتمعات،حيث تلعب الثقافة البصرية دورا كبيراً في جذب الأجيال الجديدة نحو الكتاب، وهو ما فعلته بعض المجتمعات عندما منحت للشباب مساحة للتعبير عن شخصيتهم عبر ثياب يختارونها من تاريخهم الوطني، فهي تمثل بالنسبة لهم أصالة انتماء للمكان الذي نشأوا فيه، ونهلوا من نبعه معارفهم وثقافتهم.

أمام هذا المشهد الفولكلوري الجميل الذي زين معرض فرانكفورت طيلة خمسة أيام، لا يجد العارضون مفراً من تقديم الكتب مجاناً لهؤلاء الشباب وخاصة في اليوم الأخير للمعرض، حيث يتم توزيع الكتب وغيرها من مستوعبات الثقافة عليهم بدلا من تحمل تكاليف إعادة شحنها إلى أماكن بعيدة، ولسوف يلحظ الزائر أكياس الكتب تذهب مساءً مع عارضي الأزياء التاريخية لتدخل معظم البيوت.

ولا يقل مشهد الشباب الذين يستقلون القطارات عائدين إلى بيوتهم نضارة عن مشهدهم في المعرض،حيث تراهم غارقين في تصفح الكتب وتبادلها أو مقايضتها مع أقرانهم لقاء كتب أخرى تستهويهم وسط ثرثرات يغلب عليها اكتشاف معلومة أو الوقوع على صورة جذابة يتكوم فوقها رفقاء الطريق.. وهكذا تحفر مجتمعات متقدمة في العقول حب القراءة ومصادقة الكتاب، مستخدمة سُبلاً لطيفة ومشجعة ليكون الكتاب في كل بيت يشع نوره في جنبات المكان.

hussain@albayan.ae