في الخامس من يناير الماضي رحل الفنان التشكيلي السوري شريف محرم عن عمر ناهز الخامسة والخمسين، بعد مساهمات عديدة ولافتة ومتميزة، في الحراك التشكيلي السوري. فقد شارك في العديد من المعارض الجماعيّة الداخليّة والخارجيّة، وأقام عدة معارض فرديّة داخل سوريا وخارجها، آخرها في صالة «دار كلمات» بحلب قبل عدة أسابيع.

منذ مغادرته لمحترفات كلية الفنون الجميلة بدمشق، اشتغل الفنان محرم على أكثر من أسلوب واتجاه فني، ظلت العمارة الشطرنجيّة العنصر الأساس في لوحته. قدمها تارة مرتبطة بالإنسان (المرأة بشكل خاص) وتارة أخرى بدونه، وكان حراكه التشكيلي يترافق وحراك إعلامي يُطلق من خلاله، تفسيرات وقراءات وتأويلات متباينة مثيرة وملتبسة، حول الفن الذي ينتجه وقضايا أخرى كثيرة، جلها يتعلق بطفولته الريفيّة، المفعمة بالدهشة والاكتشاف لجماليات الطبيعة البسيطة والعميقة في آنٍ معاً، وهي ما شكّلت خزان ذاكرته البصريّة، التي استوحى منه غالبية عناصر وموضوعات لوحاته.

فقد أكد الفنان الراحل شريف محرم، وفي أكثر من مناسبة، أنه نشأ في بيئة ريفيّة بسيطة للغاية، وكان يذهب إلى مدرسته حافياً وبيده أبسط الأشياء لتحقيق الدفء، وحين الانصراف، يعود إلى غرفته الطينيّة حاملاً أطياف القرية وأحزانها، لتولد في داخله ملايين الأحلام الجميلة.

في بيته هذا، كانت العصافير(كما يقول) تأتي لتشاركه وجبته، لكن بعد أن كبر واطلع على أسلحة الدمار، صار يرى الفزع في عيونها ويتساءل: لماذا يتألم هذا الكائن؟ ولماذا يخفي الحزن في عينيه؟. أيقظ هذا التساؤل في نفسه قوة خفية ليدافع بها عن حقوق العصفور في الأمان، وحقوق الإنسان الذي أشاد الحياة، وبنى الحضارة على أحسن ما يرام، وصنع في الوقت نفسه، أسلحة لتدميرها، الأمر الذي أصابه بالفزع، وخلق له جملة من الهواجس والإرهاصات التي ظلت تؤرقه حتى رحيله!!.

وبشيء من التساؤل المبطن بأكثر من هدف، يُشير إلى أن السيد المسيح عليه السلام، لم يولد في (شيكاغو) وإنما في فلسطين، وأن موسى عليه السلام، تاه في صحراء سيناء وليس في صحراء (نيفادا) والرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم تخرج من صحراء الجزيرة العربيّة وليس من الكلية الملكيّة البريطانيّة، وكونه ينتمي إلى أقدم الحضارات البشريّة وأرقاها، فهذا يعني أن أمته صدّرت للعالم السلام، لكن العالم صدّر إليها أسلحة الدمار!!.

وبكثير من الثقة الكبيرة بالنفس والاعتزاز بالمكان الذي جاء منه، يؤكد أنه في البدء، كان يرغب بالتفوق على بعض فناني عصر النهضة، وعندما اكتشف أنه متفوق عليهم بشكلٍ طبيعي، بخصوصيته الشرقيّة التي يملكها، ترك ذلك وعاد إلى ذاته ليصنع ثقافته الخاصة، ورؤيته النابعة من صدقه مع نفسه، وبدأ بوضع أبجدية خاصة به تميزه عن غيره من الفنانين. ويجزم الفنان محرم أنه لا ينتمي إلى أية مدرسة فنيّة، وإنما ينتمي إلى شريف محرم، ويبحث عن خصوصيته في لوحة محليّة تنتمي للأرض التي نشأ فوقها، وتشرب من حضارتها وقيمها، وتتلون بألوانها.

وحول وسائل التعبير في لوحته، يؤكد أنه لا يعرف ماذا يفعل عندما يواجه مساحة اللوحة البيضاء، لكنه يشعر أنه يتنفس لوناً مميزاً، وموسيقى روحيّة خاصة، وفوق هذه المساحة البيضاء، يمارس حرية التعبير عن الروح، وهو لا يوظف الألوان في لوحته، وإنما يحس حين يعمل بأنها توظف ذاتها تلقائياً، وهذا الشيء آتٍ من خلال التآلف الروحي بينه وبين اللون.

على هذا الأساس، فإن خصوصيته كفنان، تشمل حياته المطلقة بكل أشكالها وألوانها وتفاصيلها الصغيرة، فهو شرقي رضع من حليب الشمس، وما زال مختبئاً منذ طفولته، وحتى الآن، في رداء الفلاحات، يسرق منهن الزخارف ورائحة (العيصلان) ومرارة (العوسج) ولا زال يُلوّن لوحاته، على طيب (الحبق) و(المنتور) ويستوحي معظمها من أغاني فيروز وصوتها الذي رافقه صباحاً إلى المدرسة، متسرباً من شقوق الأبواب، حاملاً له الدفء والصور الحيّة التي تختزنها كلمات أغانيها التي رسمت لوحات جميلة وساحرة يعجز عنها الفنان.

تملكت الفنان الراحل شريف محرم، حالة خاصة من الشعور العالي بالتفوق، لم تتواكب وإنتاجه الفني، إنما ظلت في حدود التصريحات التي كان يُطلقها بين الحين والآخر، في جلساته، أو لوسائل الإعلام. من ذلك قوله أنه لم يتأثر بأي فنان، بل أثّر هو بالكثير من الفنانين، وله مدرسته الخاصة، وأنه حين يرسم، يختلي أمام قاضٍ قاسي الملامح، يحاكمه على كل لمسة ريشة، وهو يرافقه في كل لحظة، ولا يمكن أن يتركه أو يتخلى عنه، لأنه هو الذي يُميزه حتى أمام نفسه!!.

وللفنان محرم رأي لافت في المرأة. فهو يراهاً وطناً هاماً في حياة أي مبدع، وميناءً ينطلق من خلاله نحو عوالم خصبة. ويؤكد أن الفنان إن لم يجد المرأة في واقعه أوجدها في حياله، ذلك لأن رحم الفنان يكمن في ذاكرته، وهو يخلق في لوحاته نساء عجيبات أسطوريات، قد يلتقيهن في الواقع صدفة، ولكن حين يلمسنه يذبن كالثلج.

ويرى أنه لا يوجد امرأة تعرف كيف تتعامل بأمومة ولطف مع المبدع، لأنها لا تُدرك بأن الفنان عالم مليء بأطفال لم يولدوا بعد، وحين تدخل المرأة في حضرة الفنان وعوالمه، سرعان ما يستيقظ في داخلها رجل شرقي يحاول أن يمارس دوره بشكل استبدادي وإمبراطوري، وهو ما يدفع الفنان لأن يتمسك بوحدته وانعزاليته، ويبتعد عن المرأة ـ الواقع، لكي يرسم المرأة ـ الحلم بشكل أجمل وأرقى وأكثر شهيةً!!.

شريف محرم، ورغم الشغب الجميل الذي كان يُحدثه في كل مكانٍ يحل به، كما يُحدثه في منجزه البصري، كان فناناً حقيقياً حتى النهاية، وكأنه كان يشعر بقرب موعد الرحيل، ما دفعه لأن يُقدم مدنه المزدحمة بالبيوت والبشر في معرضه الأخير الذي شهدته حلب، تلويحة وداعٍ أخير لعالمٍ طالما كان جزءاً حميمياً وصاخباً منه.

الفنان في سطور

* ولد الفنان شريف محرم في بلدة (عرب عزة) التابعة لمدينة (جرابلس) شمال حلب عام 1954.

* تبدت موهبته الفنيّة مبكراً ما دفعه لتعميق معارفه النظريّة والعمليّة في هذا المجال، بهدف بلورتها وإنضاجها، بالانتساب إلى مركز فتحي محمد للفنون التشكيليّة بحلب الذي تخرج فيه عام 1968.

* أقام عقبها عدة معارض فرديّة في كل من بيروت والقاهرة والإسكندريّة وحلب.

* التحق بعدها بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، حيث تخصص بالرسم والتصوير وتخرج فيها العام 1984.

عالم الطفولة

أكد الفنان الراحل شريف محرم، وفي أكثر من مناسبة، أنه نشأ في بيئة ريفيّة بسيطة للغاية، وكان يذهب إلى مدرسته حافياً وبيده أبسط الأشياء لتحقيق الدفء، وحين الانصراف، يعود إلى غرفته الطينيّة حاملاً أطياف القرية وأحزانها، لتولد في داخله ملايين الأحلام الجميلة.

د. محمود شاهين