دأب الكاتب البيروفي ماريو فارغاس لوسا على حضور عروض المسرحيات التي يكتبها، فضلا عن مشاركته كممثل في بعضها. مسرحيته (بالقرب من التايمز) عرضت العام الماضي بحضوره طوال شهرين على خشبة مسرح (المركز الثقافي البيروفي-البريطاني) في العاصمة البيروفية ليما.
قاد العمل المسرحي المخرج البيروفي المعروف أيضا لويس بيرانو. أما أحداثه فتجري في أروقة فندق سافوي اللندني، حيث يلتقي من جديد شخصان بيروفيان، الأول شيسباس وهو رجل أعمال ناجح يجسد دوره على خشبة المسرح الممثل ألبيرتو إيسولا وصديقة قديمة تدعى راكيليتا، التي تجسد دورها الممثلة بيرثا بانكورفو، بعد مرور 35 عاما على اللقاء الأخير الذي جمع بينهما.
ذلك اللقاء يفترض بالنسبة إلى شيسباس، على حد تعبير إيسولا، رحلة نحو الماضي نفسه ونحو الفراغ، رحلة تتجسد في لقاء حميمي يغص بالكثير من الأشباح والتخيلات تحديدا في مدينة تدعى لندن هي بدورها غريبة الأطوار وغير مألوفة، على الرغم من أن ذلك قد يبدو متناقضا ولو ظاهريا على الأقل مع ما يؤكده فارغاس لوسا نفسه.
وذكرت وكالة الأنباء الإسبانية (إفي) ان (بالقرب من التايمز)، وهو العمل المسرحي السادس الذي يكتبه المرشح الأبدي لجائز نوبل للآداب، هو عبارة عن كتيب ولدت فكرته، حسب ما يكشف ممثلوه للصحافيين، انطلاقا من حديث مع الكاتب الكوبي الراحل جييرمو كابريرا إينفانتي، كما يعتبر أحد أكثر النصوص التي أمضى الكاتب وقتا طويلا في كتابتها.
(هذا عمل استغرقت كتابته خمس سنوات، ولعله أكثر نص قام لوسا بمراجعته بعد نص (الأشبال) الذي كتبه عام 1967)، على حد تعبير إيسولا أيضا، الذي ركز على أن المؤلف كان حاضرا أثناء جميع التدريبات، التي سبقت العرض المسرحي، الأمر الذي سمح له بتصحيح بعض المشاهد وإضافة بعض الأشياء.. إلخ. من وجهة نظر بانكوفو، فإن العمل مع فارغاس لوسا كان تجربة رائعة بالنسبة للجميع، لأن المؤلف شاهد بأم عينه كيف تدب الحياة في كلماته وتأخذ أبعادا ومعاني جديدة.
ويضيف إيلوسا: (أكثر ما سحره كانت لحظات الصمت وأكثر ما أمتعه تمثل في كيفية تحول الكلمات التي خرجت من مخيلته وكيف كنا نحن الممثلين نتملك نصه ونتكيف معه، أعتقد أن لوسا كان أكثر من استمتع بالعمل). بحسب ما يوضحه الفنانون المشاركون في المسرحية، فإنه كان بوسعهم العثور في هذا العمل المسرحي على الموضوعات التقليدية التي يراجعها فارغاس لوسا في أعماله دائما على غرار قضية الهوية، الحرية، والصدمة النفسانية المعتمة التي تعود من غياهب الماضي السحيق.
بيد أن الجديد الذي لم يكن مؤلف (حوار في الكاتدرائية) قد عالجه سابقا بهذا العمق في انتاجه المسرحي، على الرغم من أنه فعل ذلك في النثر هو صورة حي »ميرافلورس« الواقع في ليما بنهاية خمسينات القرن الماضي. في هذه الحالة، فإن حي »ميرافلورس« يتحول، حسب إيسولا، إلى (عنصر للحنين في متلازمة ذلك الفردوس المفقود، الذي تستحيل العودة إليه).
شيق هو ذلك الإهداء الذي يقرأ في صدر الصفحة الثانية من مسرحية فارغاس لوسا (بالقرب من التايمز) والذي يقول: (إلى لويس بيرانو على صبره الطويل)، لكن في واقع الأمر، فإن فارغاس لوسا كان قد وعد المخرج المسرحي منذ زمن بعيد بكتابة عمل مسرحي جديد، وكانت هذه القصة التي ولدت من رحم تلك المحادثة مع إنفانتي، ذلك أن زميله الكوبي كان قد روى له بطريقة مدهشة لقاءه مجددا مع الشاعر الفنزويلي إيسدراس بارا، الذي كان قد تغير بشكل ملحوظ بعد بضعة عقود من الزمن حيث تحول إلى شاعرة شهيرة الجميع يطلب ودها ويمتدحها.
ويعترف الكاتب في أجواء هدوء محترفه في ( بارانكو) ويقول: »على حين غرة، خطرت في بالي فكرة العمل: اللقاء الذي جمع في لندن صديقين حميمين لم يشاهدا بعضهما خلال 35 عاما. بما أن لندن تعتبر مدينة الأشباح، فإنه من محادثتهما تبدأ الأشباح بالظهور، لكن بلحمها وشحمها. أعجبتني الفكرة كثيرا وشرعت في العمل«.
ما يثير الفضول هو أنه على الرغم من أن مؤلف »الدعابة« كتب مسودة العمل في غضون أقل من أسبوعين، إلا أن التداعيات التي ظهرت لاحقا وراح يعيد كتابتها من جديد أخذت منه حوالي خمس سنوات، حيث يوضح ماريو فارغاس لوسا أن ذلك نادرا ما يحصل معه ويقول:» أتذكر أنه في (الأشبال) فقط، كنت قد أعدت كتابة النص بهذا القدر. كما أني لم أتوقف عن الشعور بأني قمت باستغلال تلك القصة بهذا القدر الكبير« بمناسبة عودة فارغاس لوسا إلى المسرح، كان لصحيفة (الكوميرسيال) مع مؤلف رواية (حفلة التيس) هذا الحوار:
دور المسرح
أين مكمن الصعوبة في عمل من فصل واحد نصه يقرأ دفعة واحدة؟
يتمتع المسرح بخاصية ساحرة، إنه عمل يقوم على التعاون. عليك معرفة أن ما تكتبه ما هو إلا جزءاً من العرض. المخرج، الممثلون التقنيون، الكل يلعب دورا أساسيا. ولا بد للمرء أن يكون واعيا لهذا البعد الآخر، الذي لا يكون موجودا عندما تكتب رواية.
من الشائع أن يقول المخرجون إنه ليس هناك كاتب مسرحي أفضل من الكاتب المسرحي الميت، ذلك أنهم لا يستطيعون التدخل في عملية الإخراج. ألم يدخل حضورك أثناء البروفات الخوف إلى قلب الممثلين؟
في لحظة ما، بدا وكأن ذلك ما كان يحدث بالفعل، ولذلك غادرت خشبة المسرح على الفور. لكنهم دعوني للعودة فيما بعد. أنا أحاول أن أكون حذرا جدا.
مخرج العمل هو لوتشو بيرانو وأنا لم أحشر أنفي في شيء فيما يتعلق بالإخراج، ولا حتى عندما يتعلق الأمر بالإدلاء برأيي، ما عدا عندما يطلب هو ذلك مني. وجودي معهم خدمني كثيرا بغية سماع النص عن بعد على لسان الممثلين، ولقد سمح لي ذلك بإجراء بعض التعديلات الصغيرة لكن المهمة في آن. ولقد كانت هذه التجربة جميلة جدا بالنسبة لي، لأنه من الممتع جدا رؤية كيف كانت تظهر في العمل أشياء، لم أكن أشك بها، بفضل المخرج أو الممثلين. إنها تجربة فريدة من نوعها لم أواكبها في أعمال مسرحية أخرى.
في هذا العمل المسرحي، هل تعتبر شخصية المتحول جنسيا دافعا للتأمل حول الهوية، الموضوع الحاضر بقوة في مختلف أبحاثك؟
أعتقد أن الهوية هي شيء بنيناه بأيدينا، هي ليست شيئا تأتي به إلى العالم، وسمة الحضارة تكمن في تمكن شخص ما من بناء هويته انطلاقا من مبادرات متخذة بشكل حر. أما إذا كانت الهوية مفروضة فرضا، فإنها تعتبر شكلا من أشكال العبودية. وأعتقد أن ذلك موجود في مجتمعات بدائية جدا، لا يشكل الفرد فيها سوى جزء من القبيلة.
لكن التحول الجنسي هو التحول الأكثر جذرية على صعيد الهوية...
وليس ذلك فحسب. ذلك أنه يعتبر، في بعض السياقات، الأكثر خطورة، الأكثر صعوبة من ناحية توليه وتحمل مسؤولياته، ومن المؤكد أنه أعمق ظاهرة إنسانية ينتج عنها صدمات وآلام. إنه موضوع كان له صعوبة كبرى بالنسبة للعمل، وربما كان يتعين علي الحيلولة دون ظهور القساوة والغوغائية ومعالجته بشكل طبيعي وبأصالة.
السرد الجيد
في نص »الدعابة«، استخدمت على سبيل الاستشهاد عبارة أوسكار وايلد: (الحقيقة نادرا ما تكون خالصة وليست بسيطة قط). هذه الجملة يمكن تطبيقها على مجمل أعمالك المسرحية: البحث عن الحقيقة انطلاقا من الواقع وما هو متخيل في آن.
اعتقد أنه ثمة حدود بين الحقيقة والكذب. أنا لست نسبويا يبتكر حقيقة غير موجودة تقوم على المبدأ القائل بأن كل شيء يتوقف على وجهة النظر. أعتقد أن هناك حقائق وأكاذيب، لكن الحدود بينهما ليست واضحة أبدا، مثلما يظن المتعصبون.
ما هو وزن الرمزي في القصة التي تسعى لروايتها؟ من الواضح أن الجمهور ينتظر من فارغاس لوسا حالة من التأمل تذهب إلى ما هو ابعد من القصة ذاتها.
الزخم الأول، الذي يسود دوما حين أكتب عملا مسرحيا ما أو رواية ما هو القصة، الباقي يأتي لوحده على سبيل الإضافة. في نهاية المطاف، الأصعب هو السرد الجيد للقصة، بطريقة يجد من يقرأها أو يراها على خشبة المسرح نفسه فيها ويعيشها كما لو كانت تجربة شخصية تخصه دون سواه من البشر. ليس هناك قصة تسحر المشاهد إذا لم تلزمه، إذا لم تلامس المشكلات التي تشغله حقا، إذا لم ير في تلك القصة توضيحا ما أو حلا ما لمشكلة يحملها معه. القصة ليست ساحرة لأنها هي كذلك، بل لأنها تلامسك من الداخل.
قلت إن هاجسا يقول لك إن القصة تسير بصورة أفضل في المسرح أو في الرواية، هل هناك شيء قابع خلف هذا الهاجس؟
إنه أمر غامض جدا بالنسبة لي. لا أعلم لماذا، لكني أعلم حين تكون القصة صالحة للمسرح وعندما تكون صالحة للرواية. وأنا لا استطيع توضيح الأمر بصورة منطقية. بالنسبة لي، فإن القصة المسرحية مرئية أكثر بكثير، حيث أرى وجوه الشخصيات والأوضاع. إنها قصة أكثر كثافة وتركيبا، لا تسقط على الزمان مثلما يحدث بالرواية.
المسرح يكشف الأشباح
النقاد يشيرون إلى أن المسرح هو الحيز الأكثر حرية بالنسبة لك، حيث بوسعك أن تبين بصورة مريحة الأشباح على غرار الجنس والخسة؟
ذلك ممكن، على الرغم من أني لا اشعر بوجود تلك المسافة لأدرك ذلك، لكن لا شك بأنه في مسرحي ثمة حالة من التماسك ليست موجودة في عملي الروائي. في المسرح من الممكن الحديث عن مقام مشترك معين، لكن ذلك ليس مقصودا.
من المعروف أن إعجابك بالمسرح بدا منذ طفولتك بعد أن رأيت على خشبة مسرح » سيغورا« موت مسافر لآرثر ميلر. هل يمكن القول إن ميلر بالنسبة لعملك المسرحي هو فوكنر بالنسبة لرواياتك؟
ليس بوسعي أن أنسى قط ما عنته لي مشاهدة (موت مسافر)، عندما شاهدتها كنت قد أصبحت على علم بأن الرواية تنطوي على تلك الحرية في معالجة الزمان، وأن بوسع قصة ما الانتقال من الماضي إلى المستقبل، من راو إلى آخر، لكني لم أكن قد رأيت شيئا مشابها في المسرح، العمل الفني بوسعه أن يلعب بتلك الطريقة بالوقت أو بمستويات الواقع.
الانطباع كان هائلا حقا، إلى درجة دفعني معها إلى كتابة عملي المسرحي الصغير الأول »هروب الإنكا« لكن إذا طلبت مني اختيار مؤلف مسرحي معين، فما كنت لأستشهد بآرثر ميلر. هناك مؤلفون آخرون أقدرهم إلى حد كبير مثل أونيل.(رحلة طويلة نحو الليل) عمل ترك بصماته في نفسي بصورة هائلة. الأمر نفسه يحدث مع تشيخوف أو إيبسين. ومن بين أكثر المؤلفين حداثة، أعتقد أن توم ستوبارد هو الكاتب المسرحي الحي الأكثر إبداعا وأصالة وتجديدا وهو، للأسف، غير معروف كثيرا خارج العالم الأنجلوسكسوني.
كيف يتراءى لك مسرح هارولد بنتر، الذي وافته المنية مؤخرا؟
لا يروق لي كثيرا. »ذي هوم كمنغ« مثيرة للاهتمام إلى حد كبير، لكن يبدو لي أن مسرحه الطليعي يعود في كثير من جوانبه إلى بيكيت، إلى إيونيسكو، لكن من دون أن يرقى إلى مستوى أصالتهما. لقد أنجز سيناريوهات رائعة للسينما، لكن ثمة أشياء أخرى لا تعجبني بشيء. يبدو لي أنه طليعة متكلفة جدا، خالية من المضمون. إنه ليس مؤلفا يمكن تفضيله من بين جميع المؤلفين المعاصرين.
هل لا تزال تعتقد، مثلما كتبت ذات مرة، بأن مسرح بريخت والمسرح العدمي ومسرح الـ (هبننغز) تعاني من تصلب في الشرايين؟
أعتقد أن مسرح الـ (هبننغز) ميت ومدفون. في حين لا أحد يجادل حول عبقرية بريخت، لكني أعتقد أن أفكاره حول مسرح اليوم لم تعد نافذة. في المقابل، فإن المسرح العدمي قد انضم كثيرا إلى المسرح المعاصر. اعتقد أن تلك التجارب الفنية ينابيع روت مسرح اليوم، لكن في الوقت نفسه، فإن تلك التيارات الثلاثة أصبحت في عداد الماضي.
التباس الحقيقة
الحقيقة أكثر تعقيدا والتباسا بكثير بحيث يتعين عليك بذل جهد هائل لعزلها، وفي أحيان كثيرة كان يتعين على ذلك الالتباس أن يحملك على أن تكون فطنا، الحقيقة الإنسانية دائما أكثر دقة، أكثر فجائية، أكثر تعقيدا مما يستطيع تفسيره أي منهج عقلاني.
سطحية المسرح الفرنسي
يبدو لي أن المسرح الفرنسي الحالي سطحيا إلى حد كبير، فضلا عن أنه يبدو لي أنه لا يتمتع بأصالة كبيرة. الذي يثير اهتمامي كثيرا هو ديفيد ماميه. انه كاتب أميركي مثير للاهتمام حقا، على الرغم من انه لم ينجح بعد في امتحان الوقت.
باسل أبو حمدة


