(الأستوديو، المرسم، المنحت، الاتيلييه، المشغل، المحترف): عبارات تحولت إلى مصطلحات تذهب بنا مباشرةً، إلى معنيً واحد هو: المكان الذي يمارس فيه الفنان التشكيلي، إبداع الأثر الفني، باللغة التي يشتغل عليها، سواء كانت تعبيراً بالألوان والخطوط، فوق سطح مستوٍ، أو تعبيراً بالكتل والحجوم، ضمن الفراغ المناسب.
بعض هذه العبارات، تشير مباشرة، إلى نوع هذه اللغة التعبيرية كالمرسم الذي يدل على أن صاحبه يمارس الرسم والتصوير بالألوان المتعددة التقانات « الزيتي، المائي، الغواش، الإكريليك» والمنحت الذي يدل على أن صاحبه يتعاطى التعبير بالحجوم، أي نحاتاً.
أما العبارات الأخرى فهي ملتبسة، عير محددة المضمون. فالأستوديو مصطلح أجنبي تم تعميمه في اللغة العربية، ارتبط بولادة التصوير الضوئي، وصار يدل على المكان الذي يمارس فيه المصور الضوئي مهنته، ثم توسعت دلالاته لتشمل المكان الذي يُنتج فيه المنجز البصري بشكل عام، بما في ذلك الرسمة، واللوحة، والمخطط المعماري، والملصق، وغلاف الكتاب، والمنحوتة، والصورة الضوئية. بل وصار يُشير إلى نوع من السكن الصغير المؤلف من غرفة وملحقاتها، تكفي لشخص واحد، أو لعائلة صغيرة، تريد أن تمضي وقتاً محدداً في هذه المدينة أو تلك.
وكذلك الأمر مع عبارة «الاتيلييه» الأجنبية التي لا تزال محدودة الاستعمال في حياتنا الثقافيّة العربيّة، وهي الأخرى مفتوحة المعنى. أما عبارة المشغل فتدل على مكان الشغل بشكل عام، أي تشمل شغل الرسام والمصور والنحات والحفار، والخزاف، والخياط، والخطاط، وصانع القوالب، والموزايكي، والجواهرجي، والمزخرف ... الخ. الأمر نفسه ينسحب على عبارة « المحترف» الذي يعني مكان ممارسة الإنسان للعمل الذي اختص به واحترفه، ويشمل دلالات ومعانٍ واسعة.
في الدول المتطورة التي يعيش مواطنوها شيئاً من البحبوحة الاقتصادية، يتوفر لكل فنان تشكيلي، محترفه الخاص به. بل أحياناً أكثر من محترف، لا سيما إذا كان يُنتج الفن ويُدرّسه في معهد أو جامعة أو مركز، حيث يخصص له في مكان عمله «محترف». أما في الدول النامية، فإن عملية فوز الفنان بمحترف لائق، وسط البلدة أو المدينة، تبدو شاقة ومقتصرة على ذوي الحظوظ والميسورين مادياً، أو المدعومين من قبل الدولة التي تقوم بإنشاء محترفات وتأجيرها بأسعار رمزيّة، أو تخصص بها بعض الفنانين، لمدة محددة، لمنحها بعدها، لمجموعة أخرى من الفنانين، وفق معايير وشروط خاصة، تضعها الجهة الرسمية المعنية، بقطاع الثقافة البصريّة.
والمحترف قد يكون بسيطاً ومتواضعاً ولا يحتوي على المواصفات المطلوبة«داخل منزل الفنان أو خارجه» وقد يكون فخماً، مستوفٍ للشروط الصحيّة والصحيحة، المتوافقة وطبيعة اللغة التعبيريّة التي يشتغل عليها صاحبه، لكنه في الحالتين، يمثل واحة المبدع، وخزان أسراره وأسرار إبداعاته التي عادةً ما يُبقيها بعيدةً عن الفضوليين، لا سيما زملاء المهنة، حيث تبرز بقوة، عداوة الكار، والتسابق المحموم، على إثبات الوجود، والفوز بالشهرة والاحتفاء الرسمي والإعلامي، به وبمنجزه، بين غالبية الفنانين التشكيليين والشعراء والأدباء والموسيقيين، وهي حالة قديمة ـ جديدة، باتت إحدى قرائن وجود الإبداع، سواء في الدول المتطورة، أو النامية.
فقد لمست أثناء وجودي في ألمانيا للدراسة، لمدة تقارب خمس سنوات، كنت خلالها على احتكاك مباشر بعالم المبدعين، انتشاراً كبيراً، لظاهرة التنافس والغيرة وعداوة الكار، إنما بين مبدعين حقيقيين، يملكون الموهبة المقرونة بالخبرة والإمكانية، أما في بلادنا العربية، فهي في «الغالب» قائمة بين خليط عجيب من مزاولي أشكال الإبداع، بينهم الموهوب، ونصف الموهوب، واللا موهوب، الأصيل والمدعي. وغالباً ما يأخذ شكل التنافس بينهم، نوعاً من الإقصاء، والتشويه، والقذف، وحتى الإلغاء، وكل هذا، يتم في العادة، بين جدران المحترفات التي تحتضن فعل الإبداع وفعل النميمة. الهم الشخصي، والهم العام، أسرار المهنة وأسرار المجتمع. الحوارات الجادة المفيدة، والثرثرة وتزجية الوقت.
يقترف الفنان في محترفه بعض الخيانات الجميلة والعابرة، الروحيّة والماديّة، التي كانت ولا تزال، شكلاً من أشكال الطاقة الدافعة لقاطرة الإبداع. المحترف هذا، بشكله وموجوداته وطريقة توزيعها التي تختلف في ترتيبها وانتظامها، من فنانٍ لآخر. بل وبفوضاها المدهشة لدى بعضهم، يعكس بأمانة، شخصية صاحبة، وماهية الفن الذي يجترحه، ذلك لأنه الوعاء الذي يتحلل فيه المبدع، من أقنعته واستعاراته و(بوزاته) التي يتصنعها في الخارج، تماشياً وتقليداً، لما وصله من التاريخ القريب والبعيد للفن والفنانين، لا سيما النوع الذي كان يعيش تجربته الفنية إنتاجاً وسلوكاً، أو يغطي بسلوكه ومظهره غير المألوف أو الشاذ، على فقر موهبته وإمكاناته، يتحلل من كل هذه الأشياء، ليواجه حقيقته العارية، فوق السطح الأبيض (أو في الكتلة الناهضة بين يديه) ليودع فوقها وفيها، هواجسه وأحلامه، هزائمه وانتصاراته، احباطاته وتوهجاته، تراجعاته وإضافاته، باللغة المناسبة المعبرة عن أسلوبه واتجاهه الصحيح.
فقد شهدت أوروبا، مع ولادة الاتجاهات الفنيّة المعاصرة، لا سيما (الدادائيّة) ولادة أنموذج جديد للفنان هو الإنسان غير المنسجم، الجوّاب، الحالم، مقترف الأفعال اللا منطقية، المزاجي، الانفصامي ... الخ. والمصيبة أن البعض من الفنانين الشباب، عمل على تقليد بعض متقدميهم من الفنانين، لا من حيث أساليبهم واتجاهاتهم وثقافتهم، وإنما من حيث سلوكيّة حياتيّة خاصة، ارتبطت بهم وكانت إحدى علاماتهم الفارقة. هذا التقليد الأعمى لإثبات الوجود، والتشبه بالكبار، شكّل معول هدم رئيس، لتجاربهم الفنيّة الغضة، بدليل غيابها واختفائها السريع، عن ساحة الإبداع، وتوجه أصحابها إلى حرف وصناعات، تدور في فلك الجوانب التطبيقيّة للإبداع، ولا تلج ميادينه.
عُرفت واشتهرت محترفات عدة في العالم والعالم العربي وسورية، نتيجة ما حقه صاحبها، من إبداعات هامة ولافتة، حوّلت محترفه، إلى محج للمشتغلين في نفس الحقل من الإبداع، أو القادمين من حقول مجاورة لها (شعراء، أدباء، موسيقيين) وأحياناً لدبلوماسيين ومسؤولين. ففي سورية على سبيل المثال، اشتهر محترف الفنان الكبير الراحل فاتح المدرس الذي كان يقع في وسط دمشق، بل في أهم ركن من أركانها، وكان في نظامه وترتيبه وبساطته وعفويته المحيّرة، وما حملت جدرانه من عبارات وأشعار ومأثورات وخواطر وذكريات، أخذت طريقها إلى نصوص.
أو إلى إشارات مرسومة بالخطوط والألوان السريعة، أحياناً على ورقة بيضاء، أو بطاقة دعوة، أو ملصق، أو قطعة من رغيف خبز،أو ورقة شجرة، وأحايين كثيرة، على الجدران مباشرة، يعكس فكر وفن هذا الفنان الذي أثرى الثقافة السورية المعاصرة، بعطاءات تشكيلية وأدبية وشعرية عديدة ومتميزة، يُضاف إلى ذلك، مساهمته في تأهيل وتدريب المواهب الفنية الشابة، عبر عمله أستاذاً لمادة الرسم والتصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وشغله لمنصب نقيب الفنون الجميلة في سورية لما يربو على عقد من الزمن، ومثابرته على الإنتاج والعرض (داخل سورية وخارجها) حتى رحيله في السابع والعشرين من يونيو عام 1999.
في حين، تقوم المؤسسات المعنيّة، أو آل المبدع في الدول المتطورة، بتحويل مُحترفه، إلى متحف ومزار، من خلال المحافظة عليه كما تركه، وبتفاصيله الرئيسة القادرة على التعريف بالآلية التي كان يُبدع من خلالها، والحراك الفني والثقافي الذي مارسه في هذا المكان، وأبرز الذين التقاهم فيه، من مبدعين في ميادين مختلفة، ومن ثم ترك هذه الوثيقة الهامة، بين أيدي الأجيال والباحثين، على حقيقتها، ووهجها وألقها وغرابتها ودلالاتها البعيدة، تعمد الجهات الوصائية العامة والخاصة، في بلادنا العربية، إلى إهمال هذه المحترفات، ما يُغري آل المبدع وورثته، بالتفريط بها، واستغلالها لغايات وأهداف تجاريّة بحتة، مستثمرين في ذلك، اسمه وشهرته، وأحياناً فنه، الأمر الذي يؤدي إلى تجفيف السواقي التي تمد نهر موروثنا وذاكرة أجيالنا بالحياة!!.
تعريف المحترف
المحترف هو المكان الذي يمارس فيه الفنان حريته المطلقة، في التعاطي مع ألغاز وأسرار وماهية ولادات فنه: الطبيعيّة والقيصيريّة، المدهشة والعاديّة، المبتكرة والمكرورة، المفعمة بالفرح والحب والسعادة والأمل، والمسكونة بالقلق واليأس والسوداوية والحزن. وهو المكان الذي يرتاح فيه كيانه المادي والروحي، ويفتح عبره ومن خلاله، قلوع الترحال، إلى شواطئ الإبداع المفتوحة، دوماً على الجديد.
مختبر الفنان
المحترف بشكله وموجوداته وطريقة توزيعها التي تختلف في ترتيبها وانتظامها، من فنانٍ لآخر. بل وبفوضاها المدهشة لدى بعضهم، يعكس بأمانة، شخصية صاحبة، وماهية الفن الذي يجترحه، ذلك لأنه الوعاء الذي يتحلل فيه المبدع، من أقنعته واستعاراته و(بوزاته) التي يتصنعها في الخارج .
ملتقى النخبة
عُرفت واشتهرت محترفات عدة في العالم والعالم العربي وسورية، نتيجة ما حقه صاحبها، من إبداعات هامة ولافتة، حوّلت محترفه، إلى محج للمشتغلين في نفس الحقل من الإبداع، أو القادمين من حقول مجاورة لها (شعراء، أدباء، موسيقيين) وأحياناً لدبلوماسيين ومسؤولين.
د. محمود شاهين


