خسرت أميركا بوفاة أديبها الروائي وكاتب القصة القصيرة جون أبدايك في يناير الماضي، أحد أعمدة أدبها الكلاسيكي الحديث. وأتت وفاته بعد معاناة طويلة مع سرطان الرئة وكان في السادسة والسبعين من عمره. وتعتبر كتب جون أبدايك من ضمن أفضل الأعمال الأدبية الكلاسيكية في أميركا خلال الخمسة والعشرين عاما الأخيرة وذلك إلى جانب كل من فيليب روث وكورماك ماكارثي وتوني موريسون ودون ديليللو..

حقق أبدايك الذي ولد في بلدة في بنسلفانيا عام 1932، نجاحه وشهرته في عالم الأدب بعد نشره لروايته الثانية «هروب الأرنب» عام 1960، وولادة شخصية كتابه (هارولد رابيت أنغستروم) التي تبعها بثلاثة أجزاء رصد من خلالها شخصية هارولد من الطفولة إلى الكهولة حياة فرد من المجتمع الأميركي، ويتناول في كل جزء مرحلة من طبيعة الحياة التي يعيشها المجتمع، وقد تصدرت جميع الأجزاء قائمة أفضل الكتب مبيعا أسوة بأعماله الأخرى، كما فاز بجائزة بوليتزر مرتين، الأولى عن الجزء الثالث «الأرنب ثريّ» عام 1981 والجزء الرابع «الأرنب في الرقاد» عام 1990.

«الإرهابي» وأحداث 11 سبتمبر

أثارت روايته الثانية والعشرون «الإرهابي» التي نشرها عام 2006 ثورة عارمة سواء في الأوساط الأدبية أو لدى العامة وخاصة في الوسط الإعلامي، لكونه يستعرض أسباب تحول بطله الشاب المسلم أحمد عشماوي مولوي من نيوجيرسي البالغ من العمر ثمانية عشر عاما من مراهق عادي مسالم إلى التطرف والإرهاب. ويبين أن الحياة الاستهلاكية التي وصلت إليها أميركا سواء على الصعيد الاجتماعي أو الفكري وابتعادها عن القيم والمثل الإنسانية النبيلة، دفعت بمثل هذا الشاب إلى حالة التطرف والانقياد للمتطرفين الأصوليين.

وقال انه استلهم موضوع الرواية من أحداث 11 سبتمبر حيث كان في زيارة لأقاربه عندما شهد الانفجار على بعد ميل من مبناهم، إذ أثارت هذه التجربة رغبته في معرفة دوافع وعوامل الإرهاب. وقد دفعت مصداقيته في الكتابة ورصيده لدى شريحة واسعة من القراء سواء من الإعلاميين أو الأفراد إلى التمعن وإعادة النظر من خلال الرؤيا التي قدمها. وتتجلى تلك الرؤيا الإنسانية الفاحصة في جميع رواياته وإن اختلفت أطر الظروف والحالات، التي تعيشها شخصياته وهم دائما أفراد عاديون يعيشون حياتهم اليومية بإيقاعها الروتيني المألوف.

طفولة مختلفة

عاش جون أبدايك حياة عادية وطفولة آمنة في كنف عائلته في مزرعة نائية، لم تخلو من المعاناة إذ كان مصابا بمرض الصدفية الجلدي الذي تسبب في تلعثمه بالكلام وبالتالي انعزاله عن المحيط، إلا أن والدته التي كانت تحب الكتابة شجعته على القراءة والرسم، والتي ألهمته ذكراها مواضيع العديد من رواياته.

وحينما حصل على منحة دراسية كاملة من هارفارد، درس الأدب الانجليزي وساهم في التحرير والرسم في مجلتها ذات الرسوم الكرتونية الشهيرة حينها (لامبون). وذهب بعد تخرجه عام 1954 إلى جامعة أوكسفورد في لندن لدراسة الرسم والفن التشكيلي. ولدى عودته في العام التالي عمل في مجلة «نيويوركور» الشهيرة لمدة عامين كمحرر ورسام، وكتب فيها القصيدة والمقالة والنقد الأدبي والفني.

واستقر بعد ذلك مع زوجته في بلدة إيبويش في ماساشوستس لمدة سبعة عشر عام، وكانت البلدة محور العديد من رواياته الاجتماعية التي كان يتحدث فيها عن الخيانة والطلاق وقيم ومفاهيم الطبقة الوسطى. وبعدما انفصل عن زوجته تزوج عام 1977 من مارثا بيرنهارد استقر في نيو إنجلند.

نتاجه الأدبي

بداية أبدايك مع النشر كانت من خلال ديوانه الشعري «دجاجة المنجرة ومخلوقات أخرى أليفة» عام 1958، الذي تلاه عام 1959 بروايته الأولى «معرض البيت الفقير». وفي عام 1963 نشر روايته «القنطور» التي حاول فيها من خلال الأسطورة اكتشاف العلاقة بين أب مدرس وابنه. أما روايته «الانقلاب» التي نشرت عام 1979، فكان الراوي فيها بطلها وهو دكتاتور سابق لمنطقة إفريقية متخيلة. وفي عام 2000 نشر رواية استلهمهما من مسرحية هاملت.

وفي روايته «الرجل المفلس« التي نشرها عام 1983، يتحدث عن الانقلاب الجذري في حياة وأفكار بطله، من قلب معنى الإفلاس ودلائل الحياة الأخرى. وعلى دراجته النارية يتجه إلى سانتا باربرا لرؤيته أخته المفلسة أيضاً والعودة. وفي الطريق يقوم بعدة مهام وأشغال تتضح بالتدريج له وللقارئ، ليصل إلى أن إفلاسه ما هو إلا مرحلة انفتاح يتولد منها آفاقا جديدة. كما حققت روايته «ساحرات إيستويك» التي نشرها عام 1984، المزيد من النجاح والشهرة له، ويتحدث فيها عن ثلاث نساء تمردن واتجهن إلى عبادة الشيطان بعد فشل زواجهن. وتلاها بجزء ثان عام 2008 بعنوان «أرامل إيستويك».

تجليات إبداعه

تميز بأسلوبه النقدي في إطار كتابة المقالات بسخرية محببة من تقاليد وعادات المجتمع الأميركي من خلال رصده للحياة المحيطة به. وغالبا ما كان يدفع القارئ في أعماله إلى التأمل وإعادة النظر بقوالب أفكاره وتصوراته المرسومة مسبقا.

وعلى صعيد الرواية تميز بسرده المتدفق السلس الشعري، وقدرته على توصيل أفكاره بأسلوب سهل ومشوق، إلى جانب مهارته في تصوير معاناة وحيرة جيل بأكمله سواء بشأن حركات حقوق المرأة، أو التصدي لحرب فيتنام، مع حرصه ودفاعه الدائم عن الأسرة وتماسكها. ويذكر في كتاب سيرته الذاتية «شجرة القرانيا: الطفولة»، أن العلاقات العاطفية والفن والدين هم أعظم الأسرار في تجارب حياة الإنسان.

وفي المجمل أصدر آبدايك ابتداء من تفرغه للكتابة عام 1950 ما يزيد على ستين كتابا من ضمنها 23 رواية. وقد حصل على جميع الجوائز الأدبية الشهيرة، باستثناء جائزة نوبل التي لم تصل إليه. غير أنه عوض عن ذلك بمنح تلك الجائزة إلى إحدى شخصيات أعماله، وهو هنري بيش، زير النساء والمتكبر والروائي اليهودي الذي ظهر في سلسلة أخرى من رواياته.

ثورة الأرنب

يرجع النقاد أسباب نجاح رباعيته الأرنب، التي أحدثت ثورة في المجتمع الأميركي، إلى قدرة أبدايك على توصيف حياة وطموحات وصراعات أفراد الطبقة الوسطى العاديين في أميركا من العلاقات العاطفية إلى الوضع الاقتصادي وانعكاسه على المجتمع. وبطله أنغستروم رجل محدود القدرات، عاش خلال مرحلة الثانوية حياة النجوم بصفته بطلا في كرة السلة، ليعمل بعد الدراسة كمندوب مبيعات وسرعان ما تزوج من صديقته في المدرسة وأصبح أبا.

مع رتابة الحياة يقرر الهرب من حياته، ليعود إلى بلدته ويبدأ علاقة عاطفية مع بائعة هوى ليرجع بعد أشهر إلى زوجته مدمنة الكحول بعد إنجابها طفلهما الثاني الذي يموت غرقا، وبعد عمله مجدد مع والد زوجته يفر ثانية. بعد ذلك ينجح في تجاوز أزمة الركود الاقتصادي لتزدهر أعماله ويصبح ثريا، ثم يتقاعد في فلوريدا بسبب ضعف قلبه.

علاقة نفور مع السينما

لم تكن علاقة أبدايك بسينما هوليوود جيدة، على الرغم من النجاح الجماهيري الذي حققه كل من الفيلمين المأخذوين من روايته «هروب الأرنب» الذي عرض عام 1970 وهو من إخراج جاك سمايت، والفيلم المقتبس من رواية

لم تكن علاقة أبدايك بسينما هوليوود جيدة، إذ اعترض واحتج على الفيلم الأول المأخوذ عن روايته «هروب الأرنب» والذي عرض عام 1970 ومن إخراج جاك سمايت، وعلى الفيلم الثاني المأخوذ عن روايته «ساحرات إيستويك» والذي عرض عام1987، وشارك فيه عمالقة هوليوود وهم جاك نيكلسون وشير وميشيل بفايفر وسوزان ساراندون.

كان اعتراضه على السطحية في تناول الأحداث وعدم الاهتمام بعمق المضمون مع إغفال بعض الشخصيات والمفاصل التي تعتبر من المحاور الرئيسية للعمل. فعلى الرغم من مشاركته في كتابة سيناريو الفيلم الأول المأخوذ والنجاح لذي حققه الفيلم لدى عرضه عام 1970

رؤية نقدية

قدم مارتن أميس (1949) الروائي البريطاني الشهير العديد من العروض لأعمال أبدايك من ضمنها كتاب «الأشياء الملتقطة» الذي يضم مجموعة من مقالاته، ويقدم له مارتن عرضا يبين رؤية أبدايك للقرن العشرين، والموهبة والحياة التي يفترض أن تكون متاحة للجميع. كما قدم أيضاً عرضا للقسم الأخير من كتاب السيرة الذاتية لأبدايك «الوعي الذاتي» ورؤيته «أن يكون نفسه للأبد»، وقال أميس في دراسته تلك أنه أفضل ما كتب عما تكون عليه الحياة حينما يتقدم الإنسان بالعمر، مثل الجزء الرابع من رواية الأرنب.

رشا المالح