«هيروشيما في كل مكان» كتاب قديم- جديد تعرفه رفوف المكتبة الفرنسية والعالمية للمرة الأولى. إنه نتيجة «توليف» نصوص ثلاثة سابقة لمؤلفه غونتر انديرس جرى جمعها ونشرها نظرا ل«راهنيتها» في عالم اليوم المضطرب.

التشخيص الذي يقدمه ل«زمن النهاية» هذا يكمن في القول انه منذ أن امتلك البشر القنبلة النووية الفتّاكة أصبحوا يعيشون في «درجة أعلى من الخطر»، إذ لم يعد قتل الناس وحده ممكنا وإنما «قتل البشرية» كلها. أصبحت الأسلحة هي التي تقرر إلى حد كبير كيفية السلوك حيال الآخرين على أساس مبدأ القوة. بنفس الوقت تكتسي التكنولوجيات أهمية متعاظمة دون التوقف طويلا عند الأهداف والنتائج المترتبة عليها. هذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول: «إننا نغلق عيوننا عن موضوع وهدف عملنا وغدونا مستعدين للعيش من مهنة التحضير لنهاية العالم».

ولا يتردد المؤلف في التصريح أنه بعد هيروشيما وناجازاكي قد ينبغي على الإنسان أن «يشعر بالخجل»، فقط لكونه إنسانا. ثم إنه يحكي في نص «رجل فوق الجسر» عن زيارته لهيروشيما بعد 13 سنة من قصفها بالسلاح النووي، كيف أن المدينتين اليابانيتين الضحيتين لم يكن فيهما «ناجون من الموت» وإنما «أولئك الذين خلفوهم».

صحيح أن الشوارع التي مشى فيها في هيروشيما وناجازاكي قد أُعيد بناؤها. لكن هذا لا يمنع إحساس الإنسان أنه مسكون بفكرة سيره على رفاة مئتي ألف ضحية حولتهم القنابل إلى رماد. لقد «تمّت التضحية بهم باسم الإنسانية».

وهذا ما يعتبره المؤلف أنه من سمات الأنظمة الشمولية - التوتاليتارية- التي تجعل البشر كلهم يشكلون «كائنا واحدا». بهذا يصبحون «متواطئين في جميع الأفعال وبكل ما يقترفه النظام «الذي ينضوون تحت ظله. هكذا بنفس الوقت» تضيع المسؤولية وعن عمليات «القتل الجماعي» مثل تلك التي شهدتها هيروشيما وناجازاكي. وهذا ما تتم تسميته ب«الأزمة الحديثة للمسؤولية».

هذه «الأزمة» تشكل في الواقع العصب الرئيسي للنص الثاني في الكتاب: «مراسلات مع كلود ايتيرلي» أحد الطيارين الذين شاركوا في قصف هيروشيما. استمرت تلك المراسلات خلال فترة 1959-1961. ويشير المؤلف أن ايتيرلي لم يكن مسؤولا مباشرة عن إلقاء القنابل، إذ كان قائد طائرة للاستطلاع. وكان الوحيد من بين الذين نفذوا المهمة الذي «رفض كل أشكال التكريم التي منحها الوطن لأبطال الحرب». وكان الوحيد الذي عاش «عذاب الضمير» بعد القصف، كما تشير المراسلات المتبادلة.

ولم يتردد ذلك الطيار «السابق» في أن يقترف بعض الجنح الصغيرة سعيا وراء دفع المجتمع للنظر إليه كمذنب، وإذن يمكن عقابه. كذلك حاول ايتيرلي الانتحار مرتين، لكنه لم ينجح في ذلك إذ جرى إنقاذه في اللحظات الأخيرة. وكان ذلك كافيا بالنسبة للسلطات العسكرية والقضائية والطبية، كي تعتبره «مختلاّ عقليا». لكن هذا لا يمنع أن مراسلات المؤلف مع «المجنون» ايتيرلي زاخرة بالأفكار والتأملات حول الإنسان والعالم والحرب.

ولا يتردد غونتر انديرس في اعتبار الطيار السابق كصديق حميم له. لذلك كتب بشأنه رسائل إلى جميع السلطات المعنية طلبا لمساعدته، لكن دون أية إجابة. وكانت إحدى تلك الرسائل موجهة للرئيس كندي. ونصّها موجود في هذا الكتاب، على عدة صفحات.

ويرى المؤلف أن ايتيرلي يمثل سمة عصر نهاية الزمن الذي نعيشه. وذلك من زاوية عجزه من تصوّر أو فهم الفعل الذي قام به. لكن يتم التأكيد بنفس الوقت على أن حالته تختلف عن حالة الضباط النازيين أو غيرهم ممن ارتكبوا جرائم بحق الإنسانية ثم وجدوا الدفاع عن أنفسهم بالقول انهم «مجرّد منفذين لأوامر عليا». إن الطيار الأميركي السابق اعتبر نفسه مسؤولا عن «مأساة هيروشيما».

ويرى المؤلف أن العالم يشهد في عصر تكنولوجيات التدمير «تقسيما» غريبا للعمل بين أولئك الذين يقومون بأسوأ الأفعال ضد الإنسانية وأولئك الذين يعيشون في الحسرة بدلا عنهم فيما بعد. مثل هذا التقسيم يدفع نحو «اليأس». والطيار السابق ايتيرلي هو من الصنف الثاني، ذلك على أساس فكرة تجذرت لديه ومفادها أن المخاطر الكبرى هي التي تجعلنا ندرك ما الذي ينبغي إنقاذه بأي ثمن».

في المحصلة يمكن القول ان غونتر انديرس، مؤلف هذا الكتاب، هو من فصيلة المفكرين والفلاسفة النادرين الذين يعتبرون أنه ليس من المطلوب فهم العالم أو تغييره ولكن إنقاذه. لذلك ينبغي على البشر امتلاك «شجاعة الإحساس بالخوف» على العالم. والنص الثالث في الكتاب هو بمجمله تأملات وأفكار حول ما يسميه المؤلف بالدور «الأخلاقي» للخوف والهلع أمام الأخطار الكبرى وتداعياتها المنذرة بالوقوع. أما الخطر الأكبر فيجده في كون أننا نعيش اليوم في «زمن العجز عن الإحساس بالخوف».

زمن النهاية

يدل عنوان كتاب «هيروشيما في كل مكان» على أن مؤلفه غونتر انديرس لا يعتبر إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناجازاكي يومي 6 و9 أغسطس- 1945 مجرد حدثين مرّا وعبرا بعد تدمير المدينتين وقتل وتشويه عشرات الآلاف من سكانهما. لكنه يرى بهما «نهجين» لاستخدام القوة يلقيان بظلّهما على مصير الأرض والبشرية التي تعيش عليها. إذ «لا شيء بقي كما كان قبل ذلك»، كما يقول. ذلك على أساس أن البشر يعيشون «زمن النهاية» دون معرفة «حتى متى»؟

المؤلف في سطور

غونتر انديرس، كاتب أميركي من أصل ألماني، كان أحد طلبة الفيلسوف الشهير ادمون هوسرل، والزوج الأول للمفكرة والفيلسوفة حنّة ارنت. من مواليد عام 1924 وهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1936. بعد قصف هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرّية من قبل طيارين أميركيين ووضع حد نهائي للحرب العالمية الثانية مع استسلام اليابان، جعل غونتر انديرس من مسألة التفكير حول ذلك الحدث الخطير ومدلولاته قضية حياته. ذلك إلى جانب النضال ضد الحروب وتكنولوجيات التدمير. وهو صاحب الكتاب الشهير: «أصول التوتاليتارية». توفي عام 1992.

الكتاب: هيروشيما في كل مكان

تأليف: غونتر انديرس

الناشر: سويل ـ باريس ـ 2008

الصفحات: 522 صفحة

القطع: المتوسط

Hiroshima est partout

Gunter Anders

Seuil Paris- 2008

225 P.