«تحت الأعلام الثلاثة»، كتاب عن ثلاث حركات قومية اشتهرت في نهايات القرن التاسع عشر لمؤلفه بينيدكت اندرسون ويرمز لكل حركة منها بعلم: «العلم الأسود» الذي رمز للحركات الفوضوية وعلم كوبا التي كانت تناضل من أجل الاستقلال وأخيرا علم الحركة القومية الفلبينية «كتيبونان» التي قادت حركة كفاح مسلّح ضد الاستعمار الاسباني لبلادها. هذه الحركات الثلاث كان يجمعها قاسم مشترك يجده المؤلف في «الذهنية» التي سادت في نهاية القرن التاسع عشر لدى مجموعات من المثقفين والمناضلين الذين كانوا ينتمون إلى مشارب إيديولوجية متنوعة.

وإذا كانت نهايات القرن التاسع عشر لم تكن قد عرفت الطائرة وشبكات الانترنت فإن هذا لا يمنع واقع أن الملايين من البشر كانوا ينتقلون بين قارات العالم وبلدانه ما يدفع بينيدكت اندرسون إلى القول أن تلك الفترة قد شهدت صيغة أولى من العولمة. وكانت الملامح الأولى لها تتجسّد في انتقال الأفراد وانتقال الاهتمامات الأدبية وانتقال الأفكار و«الأفعال» السياسية. هذا ما يبرهن عليه المؤلف عبر الاعتماد على وثائق متنوعة تراوحت بين الكتب العلمية والروايات والرسائل والمظاهرات السياسية والوثائق التاريخية.

وعلى مدى الفصول الخمسة التي يتألف منها الكتاب يشرح المؤلف ما يسميه تلك الحالة من «الغليان» المناهض للإمبريالية في نهاية القرن التاسع عشر. ذلك على قاعدة حلم الاستقلال لدى الشعوب الخاضعة للاستعمار. نقرأ: «منذ سنوات الثمانينيات في القرن التاسع عشر جنّدت اسبانيا جيشا لا مثيل له في السابق وصدرت له الأوامر باجتياز المحيط الأطلسي من أجل سحق الانتفاضة الكوبية التي أطلقها خوسيه مارتي. وفي الفلبين وجدت اسبانيا نفسها في مواجهة انتفاضة قومية لم تستطع إنهاءها. أما في إفريقيا الجنوبية فإن المتمردين هزّوا «الإمبراطورية البريطانية العجوز كما لم يفعلوا قبل ذلك».

في عام 1895 عرفت كوبا أوج انتفاضة وطنية بدأت قبل ذلك بسنوات على القارة الأميركية، وحيث كانت كوبا لا تزال تعرف نظام الرق. وبعد عام واحد، أي في عام 1896، كانت الفلبين مسرحا لأول انتفاضة وطنية في آسيا، وقد استلهم من هذه الانتفاضة فيما بعد أنصار النزعة القومية الصينية.

كان ريزال ذا شهرة كبيرة من موقعه ككاتب. ويقتفي المؤلف آثار هذا الكاتب الثائر من مانيلا إلى مدريد ومرورا بهونغ كونع وريو دو جانيرو وفيينا وماكاو وبرشلونة وباريس وسنغافورة وغيرها. وهو يركز تحليلاته حول المؤثرات السياسية والأدبية في مسيرته ويحددها بالانتفاضة المسلّحة في كوبا والمظاهرات المناهضة للإمبريالية في الصين واليابان والأوساط الفوضوية في اسبانيا والحلقات الأدبية في باريس والعالم الجامعي الألماني.

ويبيّن المؤلف الدور الكبير الذي لعبته النزعة الفوضوية الأوروبية على التكوين الفكري لخوسيه ريزال، وفيما هو أبعد منه لمجمل المناضلين المناهضين للإمبريالية في تلك الحقبة. ولا يتردد المؤلف في القول إن آثار النزعة الفوضوية الأوروبية كانت أكبر بكثير من تأثير الفكر الماركسي على الحركات القومية «الاستوائية» حيث إن الماركسية وجدت صعوبات كبيرة في تثبيت مواقعها.

ويرى المؤلف أنه إذا كانت المفوضية والرأسمالية تلتقيان في مناهضة الإمبريالية فإن الأولى، أي المفوضية، كانت أقرب إلى الذهنية الفلاحية السائدة في بلدان مثل كوبا والفلبين من الماركسية الصارمة، كما كانت أكثر اهتماما بالنزعات القومية للبلدان «الصغيرة» بينما ركّزت الماركسية على الدعوة الأممية. ويتم التأكيد في هذا السياق أن عمليات التفجير التي هزت فرنسا واسبانيا وروسيا خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر كان لها صداها الكبير في كوبا والفليبين.

مع ذلك يؤكد المؤرخ البريطاني أن خوسيه ريزال كان بعيدا جدا عن الإرهاب، بل كان ذلك الطبيب والشاعر والروائي من دعاة الطريق الإصلاحي البعيد عن العنف. لكن مواقفه ازدادت راديكالية في مواجهة التصلّب الذي أظهرته السلطة الاستعمارية. ووصل ذلك التصلّب إلى حد إعدامه ودفنه سرّا في مكان مجهول كي لا يصبح قبره حجة للقيام بمظاهرات. وكان إعدامه قد شكّل بداية نهاية الاستعمار الاسباني للفلبين. وإذا كان موضع قبره ظلّ مجهولا فإن نصبا تذكاريا كبيرا أُقيم في المكان الذي شهد تنفيذ حكم الإعدام به.

وفي المحصلة يقدم بينيدكت اندرسون توصيفا لعالم كان في حالة غليان شملت آثارها قارتين وحيث كانت الأفكار تنتقل من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال من خلال اللقاءات والقراءات والمعارك السياسية المشتركة. ويشكل الكتاب أيضاً في أحد وجوهه كتابة مسيرة حياة قادة انتفاضات جماهيرية شهدتها نهايات القرن التاسع عشر. وعبر هذا كله هو كتاب عن صيغة سابقة من «عولمة أولى».

رمزان ثوريان

إن بينيدكت اندرسون يطرح العديد من الأسئلة مثل: كيف داعب حلم الاستقلال مخيلة الشعوب المعنية منذ نهاية القرن التاسع عشر؟ وكيف تشكّلت المخيلة الوطنية وأشكال الخطاب المناهضة للاستعمار؟ للإجابة على مثل هذه الأسئلة يحاول المؤرخ البريطاني العودة بقارئه إلى اقتفاء آثار ما فعله «آباء» الانتفاضة ضد الاستعمار من خلال رمزين «علمين» أحدهما في كوبا هو خوسيه مارتي والآخر في الفلبين هو خوسيه ريزال «الكاتب الفلبيني الشهير والبطل الوطني».

المؤلف في سطور

بينيدكت اندرسون، مؤرخ بريطاني من مواليد عام 1936، أنجز دراساته العليا في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية وكمبردج البريطانية. وهو أستاذ شرف في جامعة كورنيل بنيويورك في الولايات المتحدة. يقوم بتدريس العلاقات الدولية ويعنى خاصة بدراسة القوميات في جنوب شرق آسيا وبتحديد أكثر في اندونيسيا وتايلندة.

من كتبه: «المخيلة القومية: تأملات حول أصول المشاعر القومية وازدهارها»، هذا الكتاب نال شهرة عالمية وتمّت ترجمته إلى عدة لغات، و«اللغة السلطة: سبر الثقافات السياسية في اندونيسيا» و«نقاشات عالم الأدب».

الكتاب: تحت الأعلام الثلاثة

تأليف: بينيدكت اندرسون

الناشر: فيرسو ـ لندن ـ 2008

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

Under three flags

Benedict Anderson

Verso - London- 2008

652 P.