يرى مكنايل ديسموند مؤلف كتاب «الفقر الشامل، المنظومات الأخلاقية وحقوق الإنسان» أن الإطار العام لبرامج المساعدة المكرّسة للتنمية في العديد من مناطق العالم يمكن النظر إليها على أنها تعبير عن «الجهود» التي تبذلها البلدان الغنية في إطار «العولمة» من أجل محاربة الفقر حسب تصنيفات تحدد البلدان «ذات الحاجة». أما الهيئات الدولية التي تقوم بالإشراف على ذلك، وفي مقدمتها البنك الدولي، إنما تمثل «القوى الفاعلة ذات القدرة» بواقع ما تمتلكه من إمكانيات أو من خلال الدور الذي تلعبه في تحديد المعايير والقواعد المرعية في منح مساعدات التنمية والشروط المترتبة عليها وأيضا من خلال موقعها «المعرفي» المهيمن بكل ما يتعلق بموضوع الفقر.
ما يتم تأكيده هو أن أنه رغم البلاغات اللفظية والبرامج العديدة والالتزامات بتقليص الفقر إلى النصف خلال الأفق القريب المنظور، فإن الواقع يبيّن أن ما يجري هو عكس ذلك تماما. هذا بالإضافة إلى خرق كل ما يقال ويُردد حول حقوق الإنسان وضرورة إدخال «جرعة» كبيرة من البعد الأخلاقي في ممارسات الدول القادرة على تقديم مساعدات حقيقية للتنمية في العالم. ومثل هذه المواقف «السلبية» وعلى الأقل عدم الفاعلة فيما يتعلق بدعم التنمية يتم اتخاذها على خلفية أسباب عديدة وبطرق مختلفة، والنتيجة هي بكل الحالات واحدة وتتمثل في إعاقة التنمية.
إن العديد من التجارب العيانية يتم التعرّض لها في هذا الكتاب منذ سنوات التسعينيات المنصرمة حتى اليوم. وفي مقدمة هذه التجارب تلك التي عرفتها بلدان إفريقية مصنفة في عداد الأكثر فقرا في العالم مثل بوركينا فاسو. هذه التجارب جرى خوضها باسم تنفيذ برامج تصحيح بنيوية وإستراتيجيات لتقليص الفقر، وهذا كله تحت عنوان عريض هو: «الإطار الإستراتيجي لمكافحة الفقر». لكن عملية تقييم ما تمّ التوصل إليه من نتائج على صعيد «التقدم الاجتماعي» المحقق تبيّن مدى «تواضع» المحصلة العامة لما كان قد جرى تقديمه في الأساس على أنه خطوة في «إزالة الفقر».
ومن خلال دراسة «الديناميات» الداخلية التي انتهجتها المؤسسات الدولية لمكافحة الفقر، ومن بينها منظمة اليونسكو، يتم إبراز واقع أن الممارسات المتبعة كلها تركّزت على معالجة نتائج الفقر وليس أسبابه الحقيقية. وفي مقدمتها اللامساواة، بل التباين الهائل، في الإطار الاقتصادي الدولي وعدم إعطاء ما يمكن من الأهمية الجديّة لمجموعة من التبدلات الجوهرية التي عرفها العالم، خاصة تلك المتعلقة بالتوسع الكبير للمدن وبظواهر الهجرات العالمية والداخلية وبشروط المنافسة في السوق الليبرالي التي تعمل لصالح الأكثر ثراء بينما تزيد بالمقابل من فقر الأكثر فقرا. بكل الحالات إذا كان قد جرى بعض التحسّن في الجد من زيادة انتشار الفقر أو من حدته أحيانا فإن «الهشاشة المتزايدة» لشرائح كثيرة من سكان البلدان الفقيرة تتعاظم ولا تنحسر.
وإذا كانت تحليلات هذا الكتاب تتركز خاصة على تشخيص نقاط الضعف التي تتميز بها ممارسات المؤسسات الدولية كما تتجسّد في أربع كبيرة منها، فإن الخوض في مسألة «العلاج» ليس غريبا عن هذه التحليلات، إذ يتم التأكيد على أن المؤسسات المعنية مطالبة بأن تكون أكثر فاعلية إذا كانت هناك إرادة حقيقية لمكافحة الفقر في العالم، وخاصة بحالاته الأكثر بؤسا. وتتمثل إحدى الخطوات الأساسية في هذا السبيل بصورته الأشمل بالبحث عن شروط أفضل لآليات عمل مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية. هذا ناهيك عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وكذلك إعادة النظر في برامج المساعدات الدولية المكرّسة للتنمية. الكتاب له أهميته أيضاً على صعيد المسائل المتعلقة بالفلسفة السياسية وحقوق الإنسان وأخلاقيات التنمية، بل بالمنظومات الأخلاقية وآلية عملها عموما.
فقر متعاظم
من الظواهر التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب باعتبارها كوابح في مكافحة الفقر هناك زيادة نسبة الأسر التي تعاني من درجة أكبر من الفقر، وتعاظم الفقر المستدام وزيادة عدد الأسر «غير الفقيرة» حسب معايير الفقر المحددة من قبل المؤسسات الدولية المعنية ولكن المعرّضة لخطر الفقر على المدى القصير.
المؤلف في سطور
أنجز مكنايل ديسموند دراساته الجامعية في جامعة كامبردج ثم نال شهادة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة لندن عام 1988. عمل لسنوات في وحدة تخطيط التنمية في معهد التعليم العالي بلندن ثم أستاذا في جامعة ادمبورغ. قدّم استشاراته للعديد من المؤسسات العالمية مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية وقام بالعديد من المهمات في تنزانيا واندونيسيا ومصر. من كتبه: «مصائر التنمية في إطار الحكومة العالمية».
الكتاب: الفقر الشامل والمنظومات الأخلاقية وحقوق الإنسان
تأليف: مكنايل ديسموند
الناشر: روتلدج ـ لندن ـ 2009
الصفحات: 192 صفحة
القطع: المتوسط
Global poverty، ethics and human rights
McNeil Desmond
Routledge- London- 2009
291 P.

