بعد كتاب «قاموس أناني للأدب الفرنسي» الذي عرف نجاحا كبيرا في فرنسا وخارجها يقدّم شارل دانتزيغ في مطلع هذا العام 2009 عملا جديدا تحت عنوان: «موسوعة مزاجية لكل شيء وللا شيء».
إذا كان من المألوف رؤية موسوعات في ميادين الطب والأدب والفضاء وعلوم البحار والفلسفة وغير هذا كثير في مختلف الميادين والمشارب والاختصاصات، فإن هذه «الموسوعة» الجديدة تخرج عن «المألوف» إذ يعنى مؤلفها بتقديم موسوعة على صيغة «قوائم» يبلغ عددها 300 قائمة وعلى مدى ما يقارب ال800 صفحة لأشياء موجودة في الحياة اليومية للبشر. وتحمل كل قائمة عنوانا مثل «قائمة الأشياء اللطيفة» و«قائمة قواعد النجاح» و«قائمة الأشياء التي ساد الاعتقاد أنها زالت لكنها تعود للظهور» و«قائمة الرجال الذين يرتدون الثياب الأكثر إثارة للضحك في العالم» و«قائمة المتاحف التي تمكن زيارتها دون الوقوف طويلا في الصف» و«قائمة النساء التي يرغب الناس أن يكون في أسرهم من نوعها»، الخ.
وفي الكلمات الأولى من هذه الموسوعة يكتب شارل دانتزيغ أن صيغة «القائمة هي الأنسب لطبيعة الإنسان إذ عندما يكون طفلا يكتب قائمة بالهدايا التي يريدها من بابا نويل، وعندما يصبح بالغا قائمة بالمشتريات والحسابات والعشيقات أو العشاق». ويستطرد في نفس السياق مشيرا إلى أن «كتابة القوائم» يمكن أن تكون «الصيغة الابتدائية» للكتابة الأدبية، إذا تم تشذيبها وتهذيبها على غرار الفنّان الذي يصيغ من مواد أولية «بدائية» إبداعات فنية. اسم بيكاسو ليس الوحيد الذي يشير له المؤلف في هذا الإطار.
ويشير المؤلف أنه لا يقصد «القوائم الإحصائية» فهذه لا تقول، برأيه، الشيء الكثير، فمثلا لا يستخلص مما قرأه في شهر أبريل 2008 بصحيفة «النيويوركر» أن مدينة نيويورك تعرف كل يوم 2,4 مليون عملية صعود وهبوط للمصاعد سوى أن البشر يستخدمون كثيرا المصاعد في تلك المدينة. بالمقابل أهمية الروايات مثلا هو أنها «تكشف عن مسار عام من خلال حالة وحيدة فريدة». كما يتحدث شارل دانتزيغ عمّا يسميه «القائمة الذكيّة»، بمعنى تلك التي تعبر عن «فئة» بأكملها على قاعدة «الحساسية» التي تجمع بين المعنيين بها ومن هنا «يمكن للقوائم أن تصبح صيغة أدبية». كذلك يقول بضرورة أن تبقى «القوائم» مفتوحة بحيث يمكن للقارئ أن يضيف لها، أو يحذف منها، ما يشاء. والقوائم «توقظ المخيلة».
وفي «قائمة الأشياء اللطيفة» تتحدث هذه «الموسوعة» عن «طاولة الإفطار عند الصباح» وزيارة شاطئ البحر في الساعات المبكرة. وفي المساء تتجسد ساعات «اللطف» لديه في غروب الشمس و«قراءة كتاب في حدائق التويلري». أما في عمق الليل فـ «قيادة السيارة بهدوء مع الاستماع إلى الموسيقى» و«السير في مدن لا تعرفها من قبل».
ونقرأ في «قائمة قواعد النجاح» يؤكد المؤلف على أهمية «التأقلم» مع الوسط المحيط. فإذا كان هدف المجتمع هو «قتل الحماس» فينبغي على المرء أن «يُظهر إحساسه بالضيق والسأم». وإذا كان المرء فرنسيا فعليه أن يكون من معسكر اليسار في مدينة تولوز ومن اليمين المتطرف في طولون و«مرائيا في مدينة ليون». وبكل الحالات ينبغي تجنب إظهار «اللطف الكبير» فالتفسير السائد عنه هو أنه «دليل على الضعف».
وهناك «قائمة» بأشياء ساد الاعتقاد أنها قد زالت مرة واحدة وإلى الأبد مثل الجدران والحواجز بين البشر. لقد شطر جدار برلين المدينة إلى شطرين طيلة عقود من الزمن ثم انهار. ولكن جدرانا أخرى قد قامت. جدار وسط فلسطين أقامته إسرائيل وجدار بين الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك وجدران عديدة داخل العاصمة العراقية بغداد. يقول المؤلف: «لقد وُلدت في عالم مفتوح وربما أنني سوف أموت في عالم مغلق». ويضيف: «إننا نمضي بخطى سريعة نحو القرون الوسط. وسوف تحاط المدن الكبرى بالحواجز (...) وسوف يقوم الجيش بحراسة هياكل جميع الأديان».
أما «الخير» الذي تعزز مفهومه «بعد صعوبات كبيرة» فإنه قد يتراجع «بكثير من السهولة». والشر قد يستحكم بحيث لن يمكن اقتلاعه إلا بالحرب. كما ولّى الزمن الذي كان البشر لا يوصدون فيه أبواب منازلهم بالمفتاح. نقرأ: «إذا كانت الحضارة تعني الثقة والبربرية تعني الحذر، فإننا نعيش نمطا ما من البربرية. هناك بربرية تحت جلود وحوش وبربرية وراء ربطات عنق، بربرية بهروات وبربرية بواسطة الحواسيب». ويصنّف المؤلف في «قائمة الرجال الذين يلبسون بطريقة مضحكة «لاعب كرة القدم دافيد بيكهام ورئيس وزراء إيطاليا سيلفيو برلسكوني والرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو. و«الأفضل لباسا» من بينهم إدوار السابع ولويس الخامس عشر سابقا وحميد كرزاي، الرئيس الأفغاني الحالي.
في المحصلة هذا الكتاب الموسوعة يقدم فيه المؤلف الحقبة والفن والعواطف الإنسانية وكل مظاهر الحياة بصيغة «قوائم». قوائم بما «يحبه» وما «يمقته» وبما «جرى في حياته من أحداث» وبما «يتمنى أن يحدث في حياته». وهذا كله ليس في نسيج رواية ولكن في أشياء الحياة اليومية.
سقراط والشيخوخة
إذا كان شارل دانتزيغ يولي أهميته للأشياء البسيطة، العادية، التي تعيشها أو تحيط بنا في كل لحظة، فهذا على خلفية رؤية للتاريخ تقوم على القول أن «التاريخ المتنوع هو سلسلة من الحكايات والتأملات والكلمات الجميلة». يذكر المؤلف في هذا السياق سقراط الذي عرف في شيخوخته المرض وعندما سأله أحدهم عن صحته أجاب: «إذا تعافيت فإن الكثير سوف يصغون لما أقول، وإذا وافتني المنية، فسيكون هناك الكثير ممن سوف يتحدثون عن مناقبي».
المؤلف في سطور
شارل دانتزيغ كاتب فرنسي من موالد عام 1961، والداه أستاذان في الطب. أما هو ففضّل دراسة القانون ونال شهادة الدكتوراه في هذا الميدان. لكنه عمل في الكتابة حيث كتب في الشعر والمسرح والرواية والدراسات وقام بالعديد من الترجمات. من كتبه: «قاموس أناني للأدب الفرنسي» الذي نال جائزة الأكاديمية الفرنسية عام 2005، وجائزة مجلة «هي» بنفس السنة.
الكتاب : موسوعة مزاجية لكل شيء وللا شيء
تأليف: شارل دانتزيغ
الناشر: غراسيه ـ باريس ـ 2009
الصفحات: 796 صفحة
القطع: الصغير
Encyclopédie capricieuse du tout et du rien
Charles Dantzig
Grasset - Paris- 2009
796 P.

