الذين أحبوا الأعمال الغزيرة التي أبدعها الروائي والكاتب الأميركي جو آر. لانسديل سيجدون أنفسهم على موعد مع أحد أعمال الإثارة المكتوبة بإحكام عندما يشرعون في قراءة روايته الجديدة «المقصلة» التي وصفتها صحيفة «نيويورك تايمز» بأنها كتبت بعين فولكلورية تحكي كل التفاصيل وتحافظ على الإيقاع المميز».
نحن في هذه الرواية على موعد مع كاسون ستاتلر، الصحافي الذي يعود إلى بلدته بعد أن فقد عمله في صحافة هيوستون وبعد أن التحق بصفوف الجيش الأميركي في أفغانستان ثم في العراق، وهذه العودة لا تشكل إضافة مميزة إلى المسيرة العملية للصحافي الذي رشح يوما لنيل جائزة بوليتزر، فهو يعود ليشغل وظيفة كاتب مقال في الصحيفة المحلية المتواضعة في البلدة، وعليه في غضون ذلك أن يفيق من تأثير الإدمان على الشراب وأن يقلع عن مطاردة صديقته السابقة، وأن يتغلب على حسده لأخيه الأكبر الذي حقق نجاحاً منشوداً لا موضع لإنكاره.
باختصار شديد، فإن الهدف الذي يبدو أنه لا ينبغي أن يغيب عن عيني كاسون هو أن يعاود الوقوف على قدميه. يعثر كاسون على الملاحظات التي كتبها زميله الذي كان يشغل الوظيفة التي آلت إليه، والتي تدور حول ملف لقضية قتل عمد مجمدة، أو مركونة على الرف.
المشكلة هي أن كاسون كلما أوغل في الحفر وراء المفاتيح التي يتوصل إليها في القضية بدا أنه يتوغل بشكل أكبر من الاقتراب من سلسلة رهيبة وغامضة من الأحداث وقعت في البلدة مؤخراً من دون أن يملك لا أحد تفسيراً. ويصل كاسون إلى اليقين بأنه يمضي على الطريق الصحيح عندما يجد نفسه وقد دخل طرفاً في لعبة قاتلة قوامها الابتزاز والقتل العمد.
هكذا فإن المنطلق الذي بدأ منه كاسون، وهو البحث عن مادة مثيرة لمقاله في صحيفة محلية، يقوده إلى البحث عن طالبة جامعية مفقودة، لم يعثر منها إلا على سيارتها الموجودة في مداخل البلدة، بينما اختفى صاحبها وسط ظروف بالغة الغرابة. هذه الواقعة التي حدثت قبل عام من عودة كاسون يتم الربط بينها وبين سلسلة من الوقائع الأحدث زمنياً، والتي تظل مع ذلك ملتفة لسحابة كثيفة من الشكوك والغموض.
المحير حقاً هو أن كاسون سرعان ما يكتشف أن أخيه، الأستاذ الجامعي المتخصص في التاريخ، يبدو أنه متورط في هذه الأحداث بشكل أو بآخر، ربما كضحية، وربما كمشتبه. وكما هي العادة في أعمال لانسديل، فنحن أمام مزيج مدهش من الغموض والإثارة وأيضاً المرح والانعطافات الحادة للحبكة والتصرفات المدهشة من جانب الشخصيات التي تتحرك في عالم يبدو لنا في لحظة عالما فولكلوريا وفي اللحظة التالية عالماً رهيباً وحافلاً بالنذر.
إذا كان السبب الوحيد للذهاب إلى بلدة كامب رابتشر هو الاضطرار إلى ذلك، فإن كاسون المضطر إلى هذا الذهاب سيفلح في الإفلات من وطأة الحاضر ثقيل الوقع في البلدة بالعودة على جناحي الانتقالات إلى الماضي، ولكن إلى أجواء أكثر كابوسية من مراحل خدمية كجندي أميركي في أفغانستان والعراق، ولا نجاة من هذا كله إلا بالعودة إلا الشراب أو مطاردة صديقته السابقة ومحاولة تجنب الطرد من وظيفته الجديدة، على الرغم من تواضعها.
والواقع أن كاسون كان قد غرق في الفشل كثيراً إلى حد أنه ينظر إلى الطفو على أنه حلم بالإفلات عبر أنبوب ضيق، وهو أمر منطقي بعد أن فقد عمله الصحافي اللامع في هيوستون، غدت حياته خاوية بعد أن فقد حبيبة، وعرف المرارة بعد تجاربه في صفوف الخدمة العسكرية في العراق وأفغانستان.
ولكن الآن وهو في بلدته من جديد فإن أمامه فرصة وحيدة للخلاص ينبغي عليه ألا يهدرها، أو هذا هو على الأقل ما عقد عليه العزم عندما غادر مكتب السيدة تومسون رئيسة تحرير الصحيفة التي التحق بالعمل بها. وهو يطرق أبواب جحيمه الخاص عندما يكتشف بعض أسرار اختفاء الطالبة الجامعية كارولين أليسون والصلات التي تربط هذا الاختفاء بالأحداث التي شهدتها كامب رابتشر مؤخراً، وعلى مهل تتكشف أسرار هذا الجحيم، بما في ذلك الأسرار المتعلقة بأخيه، الأستاذ الجامعي العتيد.
ولكن إلى أين ستقوده هذه المسيرة الملتفة بالغموض؟
لسوف نعرف الإجابة على هذا السؤال مع الانطلاق عبر صفحات رواية «المقصلة» التي ستصافحنا بالمزيد من الغموض والإثارة والمرح والألغاز التي تتكشف واحداً إثر الآخر تحت آفاق شرفي تكساس المفعمة بالأسرار.
وربما لم يكن من قبيل الصدفة أن تبادر صحيفة «واشنطن بوست» في عرض مطول لها تصدت خلاله بالتحليل للرواية بالقول: «إن لاند سديل، في آن إنساني وغير مستساغ شأن أي كاتب لروايات الجريمة اليوم، وقراءته تشبه الانطلاق بدراجة بخارية مائلة فيما تحاول الحفاظ على طعام غذائك ومنعه من السقوط إلى الأرض..
إنه لانسديل هو حكماء على الطريقة المنزلية يدخل السرور إلى النفس وبمقدوره أن يكتب سطراً من قبيل: (لطمته بقوة في الزور، فتقلب ممسكاً بزوره ومصدراً ضجة تشبه شخصاً يحاول ابتلاع كرتي بينغ بونغ). وبمقدوره أيضاً ان يبدع شخصية تسمى جازي، وهي صبية مهملة في العاشرة من عمرها تتمتع برقة تكسر الفؤاد. إنه كاتب أصيل وجذاب.
هذا الوصف لجو لانسديل بأنه كاتب أصيل وجذاب لا يمكن ان يختلف عليه اثنان ممن قرأوا إنتاجه الغزير والمميز، لكن مطبوعة «كيركوس» المتخصصة تختلف مع «واشنطن بوست في تقييم هذه الرواية من رواياته على وجه الدقة، فهي تقول عنها: «حبكة محدودة الخيال، وبطل يصعب استلطافه من شأنهما ان يتركا محبي لانسديل الفائز بجائز ادجار وهم يتوقون إلى الوغدين الكارزميين كولين وباينز اللذين تصديا لبطولة إبداع سابق له». أياً كان الأمر، فإن رواية «المقصلة» تظل قادرة على إثارة فضولنا وعلى دعوتنا إلى الانطلاق تحت آفاق شرقي تكساس لارتياد أبعاد جديدة لم نكتشفها من قبل من أدب الغرب الأميركي.
أشياء تزحف تحت السطح
«عندما تنشأ في مكان ما، وخاصة إذا كانت طفولتك جيدة، فإنك تعجز عن ملاحظة الكثير من الأشياء الكريهة التي تزحف تحت السطح وتتلوى مثل ديدان جائعة في لحم عفن. لكنها هناك. وفي بعض الأحيان تضطر للحفر من أجل اكتشافها، أو تميل برأسك في الاتجاه الصحيح على وجه الدقة لكي تراها.
لكنها موجودة هناك بالفعل، والأشياء التي تتلوى يمكن أن تشمل الابتزاز، التشويه والقتل العمد. وبوسعي القول من خلال تجربتي إن ذلك صحيح. لكن في اليوم الذي وصلت خلاله عائداً إلى البلدة لم يكن هناك برهان على أن أي شيء يتلوى تحت السطح أو في أي مكان آخر، ما لم تؤخذ في الحسبان رأسي، التي بدا أنها تتلوى كثيراً، وقد كنت أخرج من تأثير السكر، وساورني الشعور بأن أحدهم قد استعار جمجمتي ليلعب بها البولينغ».
مقتطف من رواية «المقصلة»
الكتاب: المقصلة
تأليف: جو لانسديل
الناشر: نوف، نيويورك، 2008
الصفحات: 304 صفحة
القطع: المتوسط
leather Maiden
joe lansdale
knopf,N.Y.,2008
403 P.

