ينطلق سفيان زدادقة مؤلف كتاب «الحقيقة والسراب» من أن الشاعر أدونيس كان يسعى منذ بداياته للوصول، بالشعر وعبره، إلى أفق آخر من الرفض والتجربة الخاصة، قائم على مفاهيم الحدس والكشف، بلغة مغرقة في غموضها وغرابتها.
ويرى المؤلف أنه إن كان من السّهل ـ نظرياً ـ الفصل بين المرجعية المعرفية المجرّدة لأدونيس عن عمله الشعري، حسبما كانت تقتضي خطته الأصلية، فإنه عمليّا يصعب الفصل ما بين الناقد في أدونيس والشاعر، وعليه يركز المؤلف جهده البحثي على الجوانب المتصلة بالمرجعية والآفاق النظرية التي يصدر عنها الخطاب الصوفي الأدونيسي في صورته النقدية، أكثر من تركيزه على تجربته الشعرية وخطابه الإبداعي، من منطلق أن ممارسته الجمالية النصّية ممتدةُ زمنياً، وطويلةُ ضخمة، وتحتاج إلى عمل مستقل.
وبعد درس الصوفية، يدخل المؤلف عالم أدونيس، النقدي على وجه الخصوص، أي ما يصفه بالمرجعية، بوصفها المكان النظري المتشعب الذي انطلق منه أدونيس في بناء موقفه الخاص من الصوفية، والكيفية التي فهمها واشتغل عليها تنظيراً وتفكيراً ومساءلة، وكذلك الكيفية التي ربط بينهما وبين السوريالية، ملغياً بعدها الديني.
كان أدونيس مدفوعّا باشتغاله التنظيري في قراءة الماضي، من بين أوائل الشعراء العرب الذين حاولوا البحث عن أوجه التشابه بين الصوفية والحداثة، دون أن ننسى دور الحركة الرومانسية العربية، ورائدها جبران خليل جبران، في العودة إلى الصوفية، بتركيز هذه الحركة على الكلمات المفاتيح المجسدة في الحرية والخيال والطهارة والبراءة والطبيعة والخير والحّب والأحلام والصفاء الروحي والرهان على الذوق بدل العقل. وهي كلها قيم صوفية.
وقد يكون انفتاح أدونيس على الخطاب الصوفي تجنيبا له ولها من تهمة الدعوة إلى التغريب، أو القطيعة مع الماضي، فالحداثي يشترك مع الصوفي في عشقه للحرية، وفي انفلاته من كل القوانين الفقيهة التي تضع قوالب للدين، ليكون العشق والفناء المباشر مع الله، مع الغيب، مع المطلق، أيا كانت التسمية. كما قد تكون النبرة الصوفية في النقد والشعر الحداثيين المعاصرين محاولة من الذات لتأكيد ذاتها الأخرى، لحظة الخروج من ماضيهما، محاولة إثبات الجدارة عبر الانتماء إلى وجود حضاري متميز، ومحاولة لصياغة لغة الثورة على الغرب ومقاومة الإخضاع الاستعماري والوحدة والنضال ضد هذا الإخضاع.
ويؤكد المؤلف إلى أن ربط أدونيس بين إبداعه والتصوف العربي التراثي لا يعني انقطاعه الإبستمولوجي عن الحداثة وفلسفتها، أو نكرانه لمتعالياتها، ذلك أن ما يغره في التصوف، كفكرة، هو ما ينبني عليه مشروعه الكبير، مشروع نقد العقل الديني وتقويض سلطة الفقه باعتبارها سلطة الجمود، أو سلطة معاداة الاجتهاد والإبداع، وسلطة التقليد والرجعية، ذلك أن الحداثة، في الأصل، هي تمرد على سلطة النموذج والمثال والمحاكاة.
وقد رفض أدونيس الدين الفقهي المكرس للقواعد وللقوانين، ورغب في الصوفية باعتبارها تجربة روحية، شريطة إفراغها من محمولها الديني أو ما يسميه مدونتها الاعتقادية. وأعجب بأفكار العشق الإلهي والحلول والفناء ووحدة الوجود والشطح والغيبة، وكان في إعجابه هذا متأثر برامبو الذي هاجر إلى الشرق مطلقا المدينة الغربية، يشدّه حنين غامض نحو عوالم سرّية لم يطأها العقل الغربي يومّا.
ويرى أدونيس أن النصّ الشعري العربي المعاصر أحوج ما يكون إلى التعبير الصوفي المغرق في عوالمه الخاصة، المتجاوزة لزمنها بأشواط، وأحوج إلى الممارسة الشعرية البعيدة عن نظرية الممدوح، وبلاغة المشاكلة والمماثلة والإصابة التي بني عليها عمود الشعر في تراثنا قروناً طويلة. ويفهم النص الصوفي وفق هذا الأفق القرائي، بوصفه نافذة على الإنسان وهو يمارس حرّيته، بعيدا عن صخب العالم وقرقعة الجري اللفظية وراء رضا السّلاطين والبلاطات هنا وهناك، وبعيدا عن نفاق الصّور المكرّرة المزيفة، والأوصاف النمطية التي تستنسخ ذاتها، جاعلةً من النصّ رهينة حالة أو مرحلة تاريخية أو موقف سياسيّ سرعان ما يتم تجاوزه بحكم قوانين الصيرورة التاريخية نفسها كما علّمنا ابن خلدون.
ويقرر المؤلف بأنّ الشعرية الحقة هي تلك التي تبقى قابلة للقراءة والتواصل والتفاعل في غيبة عن حضوراتها التي فرضتها في زمنها، سواء أكانت هذه الحضورات سياسية أم اجتماعية أم نفسية، الشعرية الحقة هي التي لا ترتهن بمناسبتها المباشرة، ولا تقول نفسها في معنى واحد وحيد، بل تحمل من الوجوه أكثرها، ومن الدلالات أوسعها وأبعدها. وأن أدونيس يرفض وظيفية الكتابة الشعرية، لأن الخلل هنا لا يجيء من العلاقة بين الشعر والحدث بحدّ ذاتها وبالضرورة، وإنما يجيء من نوعية هذه العلاقة ومستواها، أي النوعية وظيفية، والمستوى تبشري إعلامي. وتأخذ القصيدة في هذه الحال قيمتها من انتمائها إلى الحدث لا إلى الشعر، أي من موضوعها ومن الموقف السياسي الذي تعلنه وليس من شعريتها.
ويتساءل المؤلف عما إذا كانت الرؤية الصوفية، بوصفها رؤية دينية شرقية، تتفق إلى حدّ ما مع هذه الرؤية الحداثية بما هي رؤية لا دينية غربية، وتستعين بقول أدونيس الذي يعتبر أن الكون بالنسبة إلى الغربي موضوع مجابهة، وهو بالنسبة إلى الصوفية موضوع مؤالفة، أي حين يجابه الغربي الكون مستندا إلى العقل، فإن الصوفي يتفهمه ويحتضنه بحدسه. ويبدو الكون موضوع خارجي عند الأول في حين أنه داخلي عند الثاني، أي شخصي وليس موضوعي، ذلك أن الوجود ليس مجرد قضية عقلية، وإنما هو رسالة.
وقد اصطدم أدونيس، وهو يحاور الصوفية ويحاول ان يدخلها ضمن نسق المفهوم الجديد للشعر والكتابة، أصطدم بمرتكزاتها الدينية، وهي مرتكزات ميتافيزيقية متعالية، بحكم نشأتها وتاريخها ومداراتها وسياقاتها المختلفة، ولا تستجيب للمنطق النقدي والمكان العلماني الذي يصدر عنه أدونيس.
الخلاف على أدونيس
أثار شعر أدونيس كثيراً من الخلاف، بل والسّجال، حتى أنّ بعض النقاد لم يرض بتصنيفه مع الشعراء أصلاً، فيما رفع من شأنه كثيراً بعض النقاد والقراء وأوصلوه إلى منزلة المستكشف الأول، والمنظر الأول، والشاعر الأول، الذي يحضر في نصّه بهاء الشعر العربي المعاصر مجسّدا، ورأى فيه آخرون أنه يقف في منزلة بين المنزلتين، فلا هو رأس الشعر ولا هو ذيله.
المؤلف في سطور
سفيان زدادقة، كاتب وروائي جزائري، يعمل أستاذا في جامعة سطيف بالجزائر. أصدر ثلاث روايات هي: «يوبا، 2004»، و«كواليس القداسة، 2002م»، و«سادة المصير، 2007»
الكتاب : الحقيقة والسراب قراءة في البعد الصوفي عند أدونيس مرجعاً وممارسة
تأليف: سفيان زدادقة
الناشر: الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف، بيروت ـ الجزائر، 2008
الصفحات: 598 صفحة
القطع: الكبير
عمر كوش

