ما يشدنا إلى الصورة هو أنها تقدّم لنا ما لا يكون واقعياً على الإطلاق، بما أن المتضمَّن فيها يوفّر لنا الزمن الذي يستحيل أن يكون نظير الزمن الذي نتعامل معه، وحتى المكان الذي يكون له شأن مغاير تماماً كذلك.!

أن يتحدث أحدهم وكما هو متداول راهناً أكثر على أن عصرنا هو عصر الصورة، يشير إلى مقدار الوهم الكبير الذي نعزّزه باعتباره حقيقة فعلية، بسبب التنوع الهائل لأصناف الصور التي تغمر أبصارنا كما لو أن الحس البصري هو الحقيقة الوحيدة، رغم أن الحس السمعي بالمقابل متداخل مع الأول. إن هذا التفاعل الطاغي مع الصورة بالطريقة المحسوسة يبرز الجانبَ الأهم من طبيعتنا النفسية، وهي أننا نضفي على شهادة أعيننا قيمة استثنائية وكأنها توازي جملة الحواس الأخرى، لا بل وتبزُّها معاً. لكأن الرؤية هي علامة ثقافية فارقة في اكتشاف الكون والموعود به وما يخص العلمي من حولنا وحتى على صعيد الذات وأن الصورة التي نتباهى بها، صورتنا الشخصية لهي في سلَّم أولويات اهتماماتنا.

تتجاوز الصورة حقيقتها الورقية أو المؤطَّرة بالضوء، إذا كانت محفوظة في جهاز التصوير المتقدم أو الكومبيوتر وحتى في الأفلام الوثائقية، بما أنها تخاطب فينا زمناً آخر ومكاناً آخر ورغبات أخرى خلاف نهر هيرقليطس إذ ثمة ثبات في كل ذلك، فاللقطة ليست أكثر من رغبة نريدها بطريقة تماماً تعرّف بنا كما نرتئي، وحتى الذي يريد مباغتتنا بصورة ما وحسب الرغبة العائدة إليه، إنما يريد مصادرة ما لا نريد البوح به أو خروجه إلى العلن. الصورة تضعنا في القالب الذي نشتهيه رغم أننا نعلم علم اليقين أننا مختلفون جداً عما هو عليه في الصورة وهي في ألقها أو نصاعتها وبحسب دقة جهاز التصوير أو رغبتنا في الألوان المطلوبة.

في وسع صاحب الصورة أن يقول ضمنياً: أنا لست أنا! بهذه الطريقة اللافتة، ليؤكد حقيقته المختلفة عما يجري تصويره، لأن الموقف من الأجمل والأفضل أو الأكثر إثارة نوعاً ما يمثّل منطق البتر في حقيقتنا وتمويهها، حيث تكون السعادة النفسية وربما الروحية الكامنة من خلال الصورة التي نحملها معنا، وتلك التي نعلقها على الحائط في مكان بارز أو نضعها على الطاولة، وفي غرفة النوم أو نسلّمها للصحيفة أو نظهر بها...الخ، سعادة لا تدخل في خانة المِلكية الشخصية أو إمكانية حفظها كما نريد، تلك تبقى كما هي.

بينما المرتبط بها فهو في تحول مستمر، ويعني هذا أننا نتألم كثيراً في داخلنا من سلسلة التحولات الهائلة فينا، نخشى قانون الزمن الساري مفعوله على كل شيء وهو حيوي طبعاً ونحن منقادون له بأجسامنا، وليكون الوهم الذي يغبطنا إزاء الصورة الشخصية المقدَّمة، لسانَ حال الرغبة التي تبقينا أحياء وفي تمام العافية وعلى أتمّ الهيئة عزاءً لنا في أبدية ليست في متناولنا إطلاقنا، وربما هي لعبة البشرية مع ذاتها وبحسب الموقف من الصورة السالفة، إذ تمضي وتبقي الصورة والصورة تتبع قانونها الخاص هذا الذي يوفّر في حدود المستطاع ما يبقي الوهم السعيد مهبط خيالات بني البشر، إذ تكون الصورة أثرهم النفيس ولو أن البعد الثالث منتفيً فيها، ورغم ذلك تكون الأقرب إلى صاحبها.

بينما المهتم بها فليس عليه إلا أن يحدد فيها الزمان والمكان وطبيعة الحالة المرافقة ولماذا كانت بالطريقة هذه وليس سواها، وربما يكون صاحبها نفسه بعد حين من الدهر حيث تختلط عليه الأمور وهو يجهد نفسه في مكاشفة النوازع النفسية التي كانت قائمة وقتذاك وإن أرَّخ لها فيكون كائن التعدد رغم وحدته. وبعيداً عن إشكالية العلاقة مع الصورة بأكثر معنى، ربما يبقى لنا أن نقول: لا مهرب من الصورة مهما تنوع تمثيلها لنا فهي الأقرب إلينا ونحن الأبعد عنها، وذلك في المسافة الفاصلة بين الرغبة التي أخرجتها هكذا وفي وضع معين، ومعرفتنا الضمنية أننا أبعد ما نكون عما تأتي به الصورة، ولنعترف ضمنياً بمدى حاجتنا للوهم هنا لنستمر مع الصورة أكثر، أما عن طبيعة الوهم هذا فذلك يتوقف بالتأكيد على من يقيم في الصورة أكثر مما هو عليه واقعاً!

إبراهيم محمود