العنف يولد العنف، واليأس يدفع إلى العنف، والفقر والجهل والتخلف كلها أمور تدفع إلى العنف، وسيصعب الحديث عن درجة العنف التي أصابت العالم بعد أحداث سبتمبر 2001. أو بعد حروب أميركا على الإرهاب ومحاولتها معالجة النتائج وليس الأسباب، الحروب التي زادت العنف وجعلته ردة فعل وبررته وأوجدت له منظرين همهم حزم الأبرياء وإرسالهم إلى الأماكن المزدحمة لتفتيت الناس !
ترى سيذكر التاريخ لاحقاً ان العالم أغلق حقبة زمنية بعد سقوط جدار برلين عام 1990، ولم تعد عجلة التاريخ إلى أساطير مؤسسة لشبيبة رافضة، حيث قبعة غيفارا، ولحية لينين، وسيجار كاسترو، ونظارات سارتر، ومعطف بريفير وسخرية جاك بريل. جميعها لم تعد ماركة تجارية بعد جدار برلين، ليس لان جيل الشباب قد كبروا بل لأن أحلامهم قد تقزمت وأساطيرهم لم تعد واجهة أيديولوجية، فحدث ذلك الفراغ أو مرحلة انعدام الوزن بين سقوط جدار برلين وسقوط برجي مركز التجارة العالمي.
اليوم هناك جدران عنصرية أكبر وأطول من جدار برلين، جدران تحميها القوانين وتسن لها الدساتير وتبدو غير آيلة للسقوط لأن هناك من يدعمها ومن يزيدها ارتفاعا، وبين جدار برلين وأبراج نيويورك عشر سنوات زمنياً وآلاف الأميال جغرافياً، وعنف يشبه عنفا، العنف متشابه فقيراً كان أم غنياً، في غزة أم في الضفة الأخرى للأطلسي حيث يتفوق الآخر بوصفه قوياً وثرياً وحراً.
قبل العنف الحالي كان هناك فلاسفة يقولون كلاماً ينتج مواقف سياسية، كان ماركوز يصرخ في أميركا وسارتر يجيب في أوروبا وكان الشباب جيلاً متناغماً بين صرختين، حيث ترفع مقولات فكرية وتتحول إلى شعارات سياسية، وكانت المرحلة مليئة بالإرهاصات تماماً مثلما هو الحال اليوم، أوروبا ليست بعيدة عن العنف، وأميركا في العراق، كما كانت أميركا في فيتنام، وانكسار حلم الشباب بعدالة اجتماعية تضعهم في صف الكرامة، حيث يمكنهم الاطمئنان إلى المستقبل.
العالم تحتله أميركا والعنف يحتل العالم كله، عنف سببه «النقمة» على أميركا، ولا تعني الحرية شيئاً لأحد في ظل العنف الذي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين أو تمارسه أميركا على الآخرين، ولا مبرر لردة الفعل أكثر من العنف المقابل الذي يحول الفقراء إلى قنابل مدمرة مسمار أمانها بيد من لايعالج أسباب الفقر ويجفف منابعه.. انها أميركا البعيدة والقريبة والمتغطرسة.
