لا نعني بالمقاومة، المسلحة فقط، إنما تمتد إلى كل أشكال الرفض التي تبتكرها الشعوب التي تقع تحت نير الاحتلال، والشعب الفلسطيني منذ عام 1948 حتى غد، يبتكر كل يوم أساليبه في المقاومة، غير أن الأساس في مقاومة الشعوب ترتكز على فوهة البندقية، متلازمة مع نار الكلمة ولهيبها، وكلاهما وجهان لعملة واحدة.
والمقاومة المسلحة تحتاج إلى ريادة في العمل السياسي، غير أن السياسي لا يستغني عن الثقافي، فالبندقية تنبع من إرادة التحرير كما يقول غسان كنفاني، والمقاومة في معناها الأشمل، هي مقاومة الرفض، والتمسك الصلب بالجذور والمواقف، وبالأرض أيضاً.
وأدب المقاومة منذ بداية نكسة 1948 لم تكن حالة طارئة على الثقافة العربية بشقيها، الوطني والقومي، بل حينما نعود لنقرأ خارطة المقاومة الفلسطينية حتى قبل التاريخ الرسمي للنكسة فإننا سنقرأ زعماء كبارا خلّدوا أسماءهم على صفحات تاريخ فلسطين أمثال عز الدين القسام، في نفس الوقت سنقرأ أسماء شعراء وأدباء كبارا سجلوا بالحرف والكلمة مقاومتهم.
لقد مر الإنسان والأرض الفلسطينية في ظروف قاسية لم يمر بها شعب على هذه الأرض، وكان لا بد من المقاومة على كافة الأصعدة، كانت المقاومة تشتد ضراوة كلما اشتدت قساوة المحتل وهمجية آلته العسكرية لذا نجد تحولات كثيرة في أسلوبية عدد من الأدباء الفلسطينيين الذين تحولوا من خلال قصائدهم التي نمت عن طبيعة هادئة إلى موقف ثوري حازم، والأمثلة كثيرة منهم سميح القاسم، محمود درويش، أحمد حسين، وعصام عباس، وإبراهيم مؤيد، وغيرهم ممن تطور شعرهم حتى أصبح جزءاً من لهيب المدافع والصواريخ، وأصبحت قصائدهم بنادق في أفواه المقاتلين قبل أن تستقبل صدورهم رصاص المحتل الصهيوني، ولعل محمود درويش نموذجاً مثالياً لهذا التطور:
(احموا سنابلكم من الإعصار، بالقدم المسمر، هاتوا السياج من الصدور، من الصدور، فكيف يكسر؟ أقبض على عنق السنابل، مثلما عانقت خنجر، الأرض والفلاح والإصرار، قل لي: كيف تقهر؟
وإذا كان هذا حال الشعراء، فإن الأمر يشمل الأدباء بشكل عام وتصبح القصص والروايات والمسرحيات حاملة وعاكسة لواقع المجتمع الفلسطيني، وهموم الناس، وآلامهم، وطموحاتهم، ورؤاهم، واستشهادهم، حتى لكأنك تشتم منها رائحة الأرض، وتستطعم بمرارة الزيتون وملوحة الزعتر.
وطبيعي فإننا في المحصلة النهائية سنجد التفاوت واضحاً عند معظم الأدباء في مستوياتهم الفنية، ووعيهم في طروحاتهم، إلا أننا هنا أمام المشهد الفلسطيني في إطار ثقافة المقاومة، وسنجد أن الحاملين كلماتهم على أكفهم يفتحون صدورهم للرصاص وهم يؤكدون كما أكد درويش.
قصائدنا، بلا لون، بلا طعم، بلا صوتِ
إذا لم تحمل المصباح، من بيتٍ إلى بيتِ.
