«الموت من أجل أفغانستان» كتاب تنطلق تحليلات مؤلفه جان دومينيك ميرشيه من واقعة محددة حدثت بتاريخ 18 أغسطس 2008 عندما وجدت دورية للجنود الفرنسيين المتواجدين في أفغانستان ضمن إطار قوات الحلف الأطلسي نفسها تحت نيران كمين كان مقاتلو طالبان قد نصبوه لها. وكانت الحصيلة هي سقوط عشرة قتلى من الجنود الفرنسيين بعد معركة استمرت ساعات طويلة بين الطرفين.
في ذلك اليوم أدرك الرأي العام الفرنسي أن الجنود الفرنسيين الذين جرى إرسالهم إلى أفغانستان ليسوا في نزهة أو للقيام بعمليات المحافظة على الأمن. ولكنهم في ساحة قتال حقيقية قد يفقدون فيها حياتهم بأية لحظة. باختصار أدرك الفرنسيون أن بلادهم دخلت حربا جديدة في أفغانستان. يفسر المؤلف سبب قيامه بإنجاز هذا الكتاب كما جاء في مقدمته بالقول: «أنا من مواليد عام 1959، أي أنني أنتمي إلى جيل رافقته أفغانستان طيلة فترة حياته كبالغ.
وهي حياة صحافي مولّع بالمسائل العسكرية والشؤون الدولية. كان عمري 20 سنة عندما دخل الجيش السوفييتي إلى كابول. وكان 30 سنة عندما انسحب منها مهزوما (...). وكان عمري أكثر من 40 سنة بقليل غداة 11 سبتمبر 2001 عندما شنت الولايات المتحدة هجومها ضد نظام طالبان. وأنا في الخمسين تقريبا، رأيت الجنود الفرنسيين، في عمر أبنائي تشبيها، وهم يموتون في حرب لا يفهم مغزاها الكثير منّا». هذا التوصيف الذي يقدمه المؤلف للأسباب التي دعته لتحرير كتابه تتناظر إلى حد بعيد مع ما يشرحه من منعطفات كبرى شهدتها أفغانستان في تاريخها الحديث.
إن أفغانستان، كما يقدمها المؤلف، هي بلد جبلي شديد الوعورة. ويسكنها بشكل رئيسي «البشتون» الذين يبلغ عددهم حوالي 13 مليون نسمة في البلاد مقابل ضعف هذا العدد في الباكستان. وهؤلاء لا يزالون على تمسّكهم بقواعد كرم الضيافة والثأر. لكن تحكمهم قواعد على «غرار ديمقراطية» تمكن مقارنتها مع طبقة النبلاء البولنديين الذين تحكمهم قاعدة الإجماع». وعلى أساس مثل هذه المعطيات يحاول المؤلف أن يفسّر بإسهاب التاريخ الأفغاني وتبيين الأسس التي قامت عليها الدولة في أفغانستان منذ بداياتها الأولى.
وعبر الحديث عن «الحرب السوفييتية» في أفغانستان يتعرض المؤلف للتفسخ الذي شهده النظام الملكي وصولا إلى رحيل القوات السوفييتية عن أفغانستان حيث ينقل عن ميخائيل غورباتشوف قوله: «إن رحيل قواتنا عن أفغانستان ليس هزيمة». صحيح بقيت أفغانستان تحت حكم نظام «شيوعي» آنذاك. لكن على الجميع أن لا ينسوا أن طالبان استأثرت بالسلطة ما بين 1996 و2001 وقبلها ساد الكومندان مسعود منذ عام 1992.
وتكتسي التحليلات التي يقدمها المؤلف عن وجود الجنود الفرنسيين في أفغانستان «من جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي» بقدر أكبر من الدقّة والتركيز. إن فرنسا هي في «حالة حرب» بأفغانستان، هذا ما يتم تأكيده، ذلك قبل الإشارة إلى أنه لم يتم الكشف أبدا عن الآليات الحقيقية التي جعلت فرنسا تنخرط في ذلك «الطريق العسكري المسدود بشكل كامل ومستدام».
في المحصلة يؤكد المؤلف أن هناك «ما قبل» و«ما بعد» كمين «اوزبين» بالنسبة للتدخل العسكري الفرنسي في أفغانستان إلى جانب الأميركيين بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001. ولم يكن ذلك المنعطف فقط نتيجة ل«الانتصار السياسي» الذي حققه مقاتلو طالبان عبر العمل العسكري، ولكن كان أيضا بسبب المهارة الكبيرة التي أثبتوها في استخدام وسائل الإعلام وفق «خطة محكمة».
ما يمكن قوله في النهاية هو ان الكتاب يساعد كثيرا على فهم حقيقة ما يجري في أفغانستان. ذلك عبر إعادة وضع تدخل القوات الأجنبية في هذه البلاد ضمن سياق تاريخي وجغرافي يسمح بالتعرف على جذور الحرب الدائرة. ويسمح أيضا، وخاصة، بالتعرف على أسباب التدخل العسكري الفرنسي في أفغانستان ودور الجنود الفرنسيين إلى جانب الأميركيين والظروف التي يقاتلون فيها. باختصار ويساعد على فهم الرهانات الإستراتيجية للوجود الفرنسي في أفغانستان، ومخاطره أيضا.
المؤلف في سطور
جان دومينيك ميرشيه، صحافي في جريدة «ليبراسيون» الباريسية. وهو أخصائي بالمسائل العسكرية والإستراتيجية. سبق له وقدّم العديد من الدراسات والمقالات عن النزاعات الدائرة في مختلف مناطق العالم، وخاصة عن الأوضاع المتفجّرة في أفغانستان منذ سنوات عديدة.
الكتاب: الموت من أجل
أفغانستان
تأليف: جان دومينيك
ميرشيه
الناشر: جاكوب، دوفرنيه
باريس 2008
الصفحات: 187 صفحة
القطع: المتوسط
Mourir pour Afghanistan
Jean- Dominique Merchet
Jacob, Duvernet
8002 siraP
.P781
