«60 سنة من الجاز» كتاب شاءه المؤلفان داني دوريز وكريستيان مارس بحثا وتحليلا عن موسيقى الجاز في باريس عامة وفي «صالة هوشيت»، الأكثر شهرة في العاصمة الفرنسية، التي كانت قد بدأت نشاطاتها في قلب الحي اللاتيني الشهير منذ عام 1948.
ولا تقتصر شروحات الكتاب على «صالة هوشيت» ودورها «الرائد» في مجال موسيقى الجاز، ولكن يتم أيضا تقديم تأريخ لهذا الصنف من الموسيقى في فرنسا حيث يُشار إلى بعض النوادي التي بدأت تهتم بالجاز منذ بدايات القرن العشرين لتثير مباشرة اهتمام عدد من الموسيقيين الفرنسيين. ولم تتردد فرنسا بعد ذلك في أن تكون «ملاذ» الكثيرين من عازفي الجاز الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية الذين كانوا يعانون من التمييز العنصري إلى درجة أن السواد الأعظم من الملتقيات الموسيقية الكبرى كانت ممنوعة عليهم.
وما يؤكده المؤلفان هو أنه كان يتم النظر إلى الجاز دائما في فرنسا على أنه «صنف موسيقي خاص» يحظى بأكبر قدر ممكن من الاحترام، وأنه «فن كامل الحقوق» بين صنوف الموسيقى الأخرى. بالتالي لم يتردد الموسيقيون «الجديّون» منذ بدايات القرن العشرين في الاقتراب من هذه الموسيقى الشعبية. هكذا لم يكن أيضا الموسيقي الشهير «موريس رافيل» صاحب موسيقى «البوليرو» الشهيرة بعيدا عن استخدام نغمات الجاز في «الحركة الثانية» من «سوناتا» الكمان والبيانو التي ألّفها عام 1927، والتي يتم وصفها أنها قريبة من «الجاز بلو».
ويصب في نفس إطار الاهتمام بموسيقى الجاز ذلك التوجه الذي عرفته فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية ووجد تجسيده، حسب التحليلات المقدّمة، في كتابات العديد من الأدباء والإعلاميين الذين أرادوا تقريب الجمهور العريض من «حساسيات» موسيقى الجاز. وعلى رأس هؤلاء يتم ذكر جان كوكتو وبوريس فيان واندريه فرنسيس وغيرهم.
وبعد الحرب العالمية الثانية جرى تحويل صالة هوشيت إلى «هيكل» لموسيقى الجاز في العاصمة الفرنسية. وبهذا المعنى دخلت الصالة من جديد في التاريخ وهي التي كانت أصلا موجودة في صلبه لكن بعيدا عن الموسيقى حيث سجن فيها لويس الرابع عشر، المعروف بـ «الملك الشمس»، خصومه السياسيين وحاكم فيها الثوار الفرنسيون «أعداء الثورة». وفي هذه الصالة عزف بوريس فياك على «بوقه» ألحانا لا تزال أصداؤها تتردد حتى الآن. ومنذ عام 1948 حتى اليوم تستقبل صالة هوشيت في جميع أيام السنة بلا استثناء كبار موسيقيي الجاز ومئات المستمعين يوميا.
وما يتم التأكيد عليه أيضا هو أن موسيقى الجاز أخذت موقعا مهما في فرنسا منذ سنوات العشرينات من القرن الماضي. وكانت ذات طبيعة «أميركية» أولا قبل أن يعطيها الموسيقيون الفرنسيون «نكهتهم الخاصة». هكذا ومنذ نهاية عقد الأربعينات أصبحت «صالة هوشيت» المنتدى الفرنسي الأكثر بروزا للجاز حيث كان يلتقي أرباب «الكار» من فرنسيين وأميركيين. ويتم التأكيد في هذا السياق أنه كان لهؤلاء الأميركيين تأثيرهم الكبير على الجاز الفرنسي. لكن ظل لآلتي الكمان والغيتار شعبية أكبر في موسيقى الجاز الفرنسية مما هو في الموسيقى الأميركية.
وتدل بعض الأرقام على التقدم الذي عرفته موسيقى الجاز في فرنسا. فمثلا كان هناك في فرنسا عام 1986 حوالي 500 عازف بينما وصل عدد فناني هذا الميدان إلى ما يقارب 3000 في عام 2006، وأكثرية هؤلاء هم من الذكور. وهناك حوالي 1500 من هؤلاء يتقاضون أجورا ثابتة ؟ مرتبات شهرية- وينتمون غالبا إلى المجموعات الموسيقية العاملة في إطار الموسيقى الكلاسيكية أو السيمفونية. وهناك نصف موسيقيي الجاز في فرنسا تقريبا يعملون في العاصمة باريس. أما سياسة الدولة حيال الموسيقى فتلخصها الجملة التالية: «كل أنواع الموسيقى تلقى نفس الاحترام من قبلنا، وواجباتنا حيالها كلها متساوية».
المؤلفان في سطور
داني دوريز موسيقي كان قد قام بدراسات كلاسيكية قبل أن يكرّس اهتمامه لموسيقى الجاز. عمل منذ سنوات شبابه الأولى مع فرقة موسيقية للجاز ضمّت عددا من المشاهير وقامت بجولات في فرنسا وأوروبا والعالم. وتولّى منذ عام 1970 إدارة «صالة هوشيت» التي دعا إليها مشاهير الموسيقيين في العالم وعلى رأسهم نجوم الجاز ، أما كريستيان مارس فهو مؤلف العديد من الكتب المكرّسة حصرا للموسيقى وللأغاني.
الكتاب: 60 سنة من الجاز
تأليف: داني دوريز وكريستيان مارس
الناشر: ارشيبيل باريس 2008
الصفحات: 157صفحة
القطع: المتوسط
60 ans de jazz
Dany Doriz, Christian Mars
Archipel - Paris 2008
157P.

