بادرت صحيفة «إندبندنت» اللندنية إلى إجراء هذه المقابلة مع المؤرخ والروائي البريطاني سيمون سيباج مونتفيور لدى صدور روايته «ساشينكا» حيث ألقى الضوء على استلهامه لملامح من دراسته المعمقة لتاريخ الثورة الروسية في كتابة هذه، وشدد على الارتباط الكبير بين الأدب والتاريخ، حيث اعتبرهما بمثابة دعامتين قويتين للتربية في الأمم المتقدمة، وأعرب عن اعتقاده بأن التعليم في العديد من الدول الغربية بحاجة إلى إنقاذ سريع من الوضعية المتردية التي وصل إليها. وفي ما يلي نص الحوار:
إلى أي حد ألهمت دراساتك المعمقة للثورة الروسية روايتك «ساشنيكا»؟ «ساشينكا» هي في جوهرها الصحيح لوحة تحاول أن تثير اهتمام القارئ بالناس الذين أسقطوا قياصرة روسيا من عرشهم، وانطلقوا في مسيرتهم الشائكة والمعقدة ليخدموا الدولة السوفييتية في ظل الستالينية. وجانب كبير من أهمية الرواية يرجع، في اعتقادي، إلى السنوات الطويلة التي أمضيتها عاكفاً على أبحاث لا تنقطع، امتدت في بعض الأحيان من الفجر وحتى وقت متأخر من الليل، لكن الرواية تتجاوز هذا كله، فهي في نهاية المطاف عمل روائي، وليست دراسة أو بحثاً في التاريخ، إنها رحلة في أعماق الناس والأماكن وصولاً إلى الجوهر الإنساني الذي صنع انطلاق الثورة وانتصارها، وتراجع هذا الجوهر هو نفسه الذي يتصدر عملية الانحسار الكبيرة للاتحاد السوفييتي كياناً وفكرة وواقعاً في التسعينات من القرن العشرين. ليس من قبيل الصدفة أن الرواية تنطلق في مسيرتها في عام 1916 وأنها تمضي إلى صفحاتها الأخيرة في عام 1994.
ومن المؤكد أن الكثيرين من القراء سيتوقفون عند التناقضات بين الحدود القصوى في روسيا الأم، بين فصول الشتاء الوحشية والجليدية فيها من ناحية وفصول الصيف المفعمة بالليالي الحسية، بين عظمة قصور الشتاء في عهود القياصرة وبشاعة الفقر الذي يعاني منه المواطنون، بين التركيب الأوروبي الذي يشكل صميم نسيج مدنها والثقافة الفلاحية المتخلفة التي تهيمن على ريفها. وكما هي الحال على الدوام في كتبي، فلا بد أن القارئ سيرصد ذلك الإحساس الدائم بالحضارة الروسية، الذي تنداح تحت سطحه قوى التاريخ الغارقة في الظلام والملتفة بالغموض، المتأهبة للاندلاع كحمم البراكين، في أي لحظة، لتجلب معها الفوضى والعماء.
ما هي العبارة التي تستخدمها في حديثك كثيراً؟ إنها العبارة التي استخدمها في مخاطبة أبنائي، وهي: «قلت لكم مرتين من قبل إن لديكم فرصة واحدة إضافية قبل أن أمنعكم من مشاهدة برامج التلفزيون». أما العبارة التي يستخدمها الجميع فهي: «في نهاية النهار..»لو أنك لم تكن منهمكاً في هذه المقابلة، فما الذي كان يمكن أن تكون عاكفاً الآن على إنجازه من مشاغلك العديدة؟ ربما كنت عاكفاً على كتابة الخطاب الذي سألقيه في مهرجان سيرني الأدبي، الذي سأنطلق قريباً لحضوره.
ما الذي ترغب في أن يهتم به الناس بصورة أكبر مما هو حادث حالياً؟
أتمنى أن يتعلم الناس تاريخ بلادهم، فهناك نقص حقيقي في هذا المجال، والناس يتركون الدراسة من دون أن يعرفوا الكثير عن أي شيء في هذا المجال شديد الأهمية. وليس من قبيل المصادفة في هذا الصدد أنه أعلنت قبل أشهر قلائل مضت نتائج دراسة أوضحت أن بعض الناس في بريطانيا يعتقدون أن ونستون تشرشل ليس إلا شخصية روائية.
ما هي، في اعتقادك، أبرز أشكال إساءة الفهم التي تتعرض لها أحياناً؟
البعض يعتقد أن سيباج هو اسمي الأوسط، أو اسمي الأول، غير أن سيباج مونتفيور هو اسم عائلتي، ولكن الجميع بمن في ذلك يدعونني بسيباج. وأنا أستخدم اسم سيمون سيباج مونتفيور في كتبي المتعلقة بالتاريخ، وأستخدم اسم سيمون مونتفيور في كتاباتي الروائية، وهو أقرب إلى اختلاف في العلامة التجارية منه إلى أي شيء آخر.
ما هو أكثر الأشياء إثارة للدهشة في حياتك؟
موافقة زوجتي، الروائية سانتا مونتفيور، على زواجي منها.
على الرغم من كونك لست شخصية سياسية، ما هي القضية التي ترغب في أن تحظى باهتمامات على أعلى المستويات؟
يحتاج التعليم إلى إنقاذ عاجل في بريطانيا والعديد من الدول المتقدمة. فنحن بحاجة إلى جعل التعليم مثيراً لاهتمام الطلاب. والتاريخ والأدب هما دعامتان للتعليم، وهما الطريقة التي من خلالها يعلم المجتمع أبناءه القيم المدنية، وهذا هو أحد الأسباب الكامنة وراء أن الناس لا يقدرون حرياتهم. ما هو الشيء الذي تجده أكثر من أي شيء آخر.
إنني أجيد العمل من الفجر حتى وقت متأخر من الليل، عندما يكون ذلك ضرورياً، وأنا أفضل من ذلك في عدم القيام بأي عمل على الإطلاق على امتداد أسابيع بكاملها، وهذه هي إحدى المتع الكامنة في كون المرء كاتباً. بعد الكتابات الغزيرة التي أنجزتها عن ستالين، كيف يمكنك أن تلخص رؤيتك لهذه الشخصية التاريخية الفريدة؟ جوزيف ستالين شخصية بالغة الثراء، تعكس قدراً هائلاً من التعقيد، تركت بصمتها بقوة على العصر الذي عاشته، فهو رجل عاشق للموسيقى، ويتحدث بصوت خفيض، وهو في الوقت نفسه قادر على أن يكون شديد الوسوسة وبالغ القسوة، إلى الحد الضراوة، في تعامله مع مرؤوسيه.
وقد حرصت على إنجاز دراسة دقيقة عن مرحلة الشباب في مسيرته، لاعتقادي بأنه من تطورت هذه المرحلة، ستخرج الشخصية التاريخية التي تتخذ قرارات تترك بصمتها على مصير الملايين على امتداد مناطق هائلة من العالم في مرحلة تشكل منعطفاً تاريخياً بالغ الأهمية، لاتزال أصداؤه تتردد حتى اليوم، بشكل أو بآخر.
هل يمكن القول إن رواية «ساشنيكا» تعكس جانباً من ملامح الروايات الروسية العظيمة ذات الطموح الهائل والامتداد الملحمي؟ لم يكن هذا الجانب في ذهني خلال عكوفي على إنجاز روايتي، ولكنني أعتقد أن «ساشنيكا» تعكس جانباً من مباهج روايتي، ولكنني أعتقد أن «ساشنيكا» تعكس جانباً من مباهج الروايات الروسية العظيمة، وبخاصة في توصيفات الامتداد الجغرافي الهائل والمعقد للاتحاد السوفييتي، وتوصيفات جورجيا، مسقط رأس ستالين، بكل ما يحتشد تحت آفاقها من جورجيين وأرمن وإيرانيين وشيشانيين، وتوصيفات قصور أثرياء روسيا الجدد وحدائقهم وأجواء حياتهم ذات التناقضات المذهلة.
المؤلف في سطور
ولد الروائي البريطاني سيمون سيباج مونتفيور في عام 1965، ودرس التاريخ في كلية كونفيل وكايوس بجامعة كامبردج، وهو زميل في الجمعية الملكية للأدب، ومؤرخ وروائي ومذيع تلفزيوني. وقد اشتهر بكتبه التي تتخذ من التاريخ الروسي موضوعاً لها وفي مقدمتها «كاترين الكبرى والمدرعة بوتمكين» و«ستالين» و«ستالين شاباً» وأخيراً روايته ساشينكا. يعكف حالياً على انجاز كتاب بعنوان «القدس ـ سيرة حياة» ليقدم من خلاله محاولة جديدة لكتابة تاريخ الشرق الأوسط.
نال العديد من الجوائز وألوان التكريم ومن بينها ترجمة أعماله إلى 27 لغة وإدراج كتابه «كاثرين الكبرى والمدرعة بوتمكين» في القوائم القصيرة لجوائز صمويل جونسون، دوف كوبر، ومارش لسيرة الحياة. وفاز كتابه «ستالين» بجائزة كتاب العام التاريخي في 2004 في إطار جوائز الكتب البريطانية.
منى مدكور
