قليلة هي الروايات التي كتبها مؤلفون من خارج روسيا عن تاريخها الحديث، وقدر لها أن تتوج بالتوفيق والنجاح، ربما لأن الكثير من المؤلفين الذين تصدوا لهذه المهمة الصعبة لم يقدر لهم الإفلاح في الإمساك بجوهر شخصية روسيا الأم في المقام الأول.

ومن القلة المحدودة التي أفلحت في إنجاز هذه المهمة المؤرخ والكاتب الروائي البريطاني سيمون سيباج مونتيور، الذي أثار ضجة كبرى مؤخراً بروايته التي تحمل عنوان «ساشنيكا»، وتقع في 544 صفحة عن قرن كامل من تاريخ روسيا الحديث. في مستهل هذه الرواية، يجد القارئ نفسه في عام 1916 في مدينة سان بطرسبرغ، حيث يلتقي مع ساشينكا ابنة التاجر اليهودي البارون زايتين، التي تقيم في دارة قوطية فخمة وتدرس في معهد سمولني للفتيات النبيلات. وأمها، أريادنا، تركت وراء ظهرها جذورها المحافظة لتصبح مدمنة على تعاطي الأفيون والاستسلام لنزعاتها العاطفية المغرقة في الإسراف. وقد وقعت تحت طائلة سحر الراهب راسبوتين، الذي يظهر بصورة عابرة في الرواية، جنباً إلى جنب مع شخصيات روائية أخرى. غير أن ساشينكا تأثرت بعمها مندل، المتعاطف سراً مع البلشفيك، ويحمل الاسم السري الرفيق «سنوفوكس».

ذات أصيل شتائي معتم، ووسط أضواء المصابيح المتأرجحة والمحال المتألقة في المدينة القيصرية، تصل مربية ساشنيكا الإنجليزية إلى المعهد لاصطحابها من المعهد إلى الدار في عربة يقودها سائق العائلة. ولكن الشرطة تسبقها إلى هناك، وتلقي القبض على الفتاة ذات الستة عشر ربيعاً. ويتم التحقيق معها من قبل النقيب ساجان الداهية، ويلقي بها في غيابات السجون، ويتم في وقت لاحق إطلاق سراحها بعد تدخل من عمها مندل، لتصبح عميلة مزدوجة تعمل لصالح البلشفيك.

ومن المؤكد أن القارئ العربي لهذه الرواية سيتوقف طويلاً عند موضوع محدد فيها، يتمثل في وضعية اليهود خلال الثورة الروسية حيث تشير الرواية إلى نفي السلطات القيصرية للآلاف من اليهود، على حين ترحب السلطات نفسها بأعداد أخرى من اليهود، على شاكلة والد ساشينكا، الذين برهنوا على نفعهم في العمل لحساب النظام القيصري كرجال مصارف وصناعيين، وكان هناك عدد منهم يحتلون أماكن مهمة في تراتبية العمل البلشفيكي تحت الأرض.

تفقد عائلة زايتلين ثروتها في غمار الثورة الروسية، وتكبر ساشينكا لتصبح في ظل النظام السوفييتي رئيسة تحرير لمجلة نسائية وزوجة لأحد المتنفذين في تراتبية الحزب الشيوعي، ويحصل الزوجان على كوخ ريفي مكافأة لهما، بل أن ستالين نفسه يزورهما ذات أمسية صيفية، وينجبان طفلين جذابين، هما كارلو وسنوي. غير أن مسلسل النجاح المتواصل هذا لا يقدر له الاستمرار، في نهاية المطاف، وهذا السقوط يأتي من خلال وقوعها في غرام كاتب يهودي، ويكتشف زوجها هذه العلاقة، حيث تتعرض العائلة بكاملها للخطر.

يدرك الزوجان الخطر الوشيك الذي يوشك على الاطباق عليهما، فيرتبان لضمان سلامة طفليهما. وكما توقعا، يتم إلقاء القبض عليهما، ويقوم بيريا، رئيس جهاز المخابرات الستاليني العقيد نفسه بالتحقيق مع ساشينكا، التي تختفي إلى الأبد في غيابات سجن لوبيانكا المرهوب. يجد القارئ نفسه في القسم الأخير من الرواية وقد قفز إلى عام 1994، ومضى إلى لندن، حيث يقوم ثري روسي بالاستعانة بمؤرخة شابة تدعى كاتينكا فينسكي لأداء مهمة محددة، هي اكتشاف هوية عائلته الحقيقية. وتمضي مهمة كاتينكا بها إلى أرشيفات موسكو، حيث تنطلق في أبحاثها، وفي غمار البحث تكتشف كاتينكا حقائق مذهلة عن هويتها الحقيقية وأيضاً عن أسرار الخيانة والخلاص في حكاية ساشينكا، التي وجدت نفسها مضطرة للاختيار بين عائلتها وحبيبها وقضيتها.

غير أن هذه الرواية الملحمية المدهشة سرعان ما تبرهن على أنها لا تخلو من العيوب. في مقدمة هذه العيوب رسم الشخصيات عند مونتفيور، حيث تشكل شخصية جوزيف ستالين بعمقها وتعدد طبقاتها الاستثناء لا القاعدة، حيث ان المؤلف نادراً ما يلتقي شيوعياً في الرواية لا يكرهه أو يمقته، وغالبية الشخصيات البلشفية أقرب إلى الشخصيات النمطية منها إلى أي شيء آخر، حيث يربط هذه الشخصيات جميعها، كما يقدمها لنا المؤلف، كونها شخصيات متنمرة ومترنحة وذات نزعات إجرامية.

ومن عيوب الرواية أيضاً ما نلمسه من صعوبات تواجه المؤلف في إبداع نسيج روائي من قلب عملية قراءة الوثائق القديمة ومن ثم الخروج بالكشف المناسب عن الحقائق في اللحظات الدرامية المناسبة، الأمر الذي يعكس في كثرة عناصر التكرار والانعطافات غير المحتملة في الأحداث، بل وفي انسياب الحبكة ذاته. وعلى الرغم من هذه العيوب، فإننا نظل أمام عمل يثير الكثير من الاهتمام، وهو ما انعكس في ردود الأفعال والأصداء المدوية التي أعقبت طرحه.

يقول توماس كينا لي مؤلف رواية «قائمة شيندلر» عن رواية مونتفيور إنها «قابلة للقراءة على نحو مذهل، وذات حبكة متألقة، تستحضر بحميمية فريدة مباهج العائلات الروسية وآمالها والفظائع التي شهدتها الثلاثينيات». ويقول روبرت ماسي مؤلف كتاب «نيكولاس والكسندرا» عن هذه الرواية إنها: «حكاية دراماتيكية تستحوذ على الاهتمام، تدور أحداثها على خلفية من أنسجة بالغة الثراء، بعضها ممتد، وبعضها الآخر جهم، لكنها تجعل من وضعها جانباً أمراً بالغ الصعوبة». ويقول جونج تشانج مؤلف كتاب «البجع البري وماو» عن هذه الرواية إنها: «مؤثرة إلى حد كبير، وذات ذروة لا تنسى توثر في أشد القلوب صلابة».

وبدورها تشير مطبوعة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة في عروض الكتب إلى أن «القراء ذوي الاهتمام بالتاريخ الروسي سيبتهجون على نحو خاص بهذه الرواية». ونقرأ في عرض للرواية في صحيفة «تايمز» اللندنية قول كاتب المقال: «لقد أمضيت الصفحات الخمسين الأولى من الكتاب في الاحتجاج على الرواية، فهناك الكثير من الكليشيهات.

ما الذي حدث للرعب؟ هل نسيه المؤلف؟ ولكن مع انطلاق الرواية باتجاه شخصية ساشينكا، بعد عشرين عاماً من البداية، عندما تجد هي وباقي الأرستقراطية الستالينية أنفسهم تحت رحمة جنون الشرطة السرية بالسلطة المطلقة فإن نزوعي للتشكك يتبدد».

يبقى، أخيراً، القول إن «ساشينكا» هي من الروايات النادرة التي كتبت مؤخراً عن التاريخ الروسي بأصالة واقتدار، وعلى الرغم من عيوبها، تظل قادرة على اجتذاب القراء إلى أبعد الحدود حتى وإن اختلفوا مع المؤلف في الكثير من توجهاته.

الكتاب: ساشينكا

تأليف: سيمون سيباج مونتفيور

الناشر: سيمون وسوشتر نيويورك 2008

الصفحات: 544 صفحة

القطع: المتوسط

Sashenka

Simon Sibag Montefiore

Simon andSchuster,N.Y 2008

544 P.