يتناول الباحث عواد على في كتابه «الحضور المرئي: المسرح من التحريم إلى ما بعد الحداثة»، عددا من القضايا النظرية؛ المتعلقة بالمسرح بصورة عامة، والمسرح العربي بصورة خاصة، ويناقش، على ضوء ذلك، بعض العروض المسرحية العربية في محاولة لتقديم لمحة موجزة عن المسرح العربي منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى المرحلة الراهنة، محاولا رصد ابرز محطات وملامح هذا المسرح، وابرز وجوهه وأقطابه.
يعود الباحث إلى بدايات التأسيس، محاولا توصيف المحنة التي واجهت المسرحيين الأوائل في محاولتهم لإنبات بذرة فن حديث هو المسرح، في تربة متشربة بثقافة تقليدية؛ سلفية نظرت إلى هذا الفن بعين الشك والريبة، وحرضت الجمهور العريض ضد رموزه، والعاملين فيه، آنذاك، فقد «اصطدمت محاولات استنبات المسرح في الثقافة العربية، بعد منتصف القرن التاسع عشر، بموقف متعصب للسلفية الدينية منه، ورؤيتها المعادية له، وفتاواها التحريمية التكفيرية ضد رواده» كما يقول الباحث.
ولعل التجربة التي تمثل النموذج الأمثل لهذا الواقع المجحف بحق المسرح، هي تجربة المسرحي الرائد أبي خليل القباني (1833 ـ 1903) الذي دخل في صراع مع الشيوخ المتزمتين الذين سعوا إلى عرقلة مشروعه بشتى السبل، وقد أظهر الراحل سعد الله ونوس، برؤية تحليلية؛ نقدية، ما تعرض له القباني، وتجربته المسرحية الرائدة من «مؤامرة رجعية دبرها بعض السلفيين الدمشقيين ضده، أدت إلى منعه من التمثيل، وغلق مسرحه بقرار من السلطان العثماني عبد الحميد، وإثارة الدهماء عليه من سواد الشام، وسوقتها باسم الدين والحفاظ على الفضيلة! الأمر الذي اضطره إلى مغادرة بلده إلى مصر ليواصل فيها نشاطه المسرحي سنوات عديدة»، وكان يمكن لهذه التجربة أن تأخذ مسارات أكثر إشراقا، وتوهجا لولا الحملات التكفيرية التي شنت ضده، الأمر الذي جعله يهدر وقته للبحث عن شرعية لفنه، بدلا من التفرغ لهذا الفن وتطويره.
وبحكم متابعته للحركة المسرحية في العالم العربي، يلاحظ الباحث بان ثلاثية (الغزاة، الطغاة، الغلاة) المرعبة، شكلت مادة خصبة للمسرح العربي، فقد اتكأ الكثير من النصوص على هذه الثلاثية، وحاول فضحها وتعريتها بسبل وأشكال مختلفة، ويحصي الباحث عددا كبيرا من الأسماء التي قاربت في نصوصها المسرحية هذه الثلاثية، من أمثال الفريد فرج، وسعد الله ونوس، وعلي الشوك، وممدوح عدوان، ورشاد رشدي، وجليل القيسي، وفؤاد التكرلي، وسعد الدين وهبه، ومصطفى الحلاج، ومحمد الماغوط...وغيرهم.
وفي ظل الكم الكبير من العروض التي طرحت هذه الثلاثية، فان الباحث يختار سبعة عروض كنماذج يرى فيها التجسيد المناسب لما يذهب إليه، إذ يقدم قراءة موضوعية لهذه العروض التي نجحت في استثمار تلك الثلاثية المقيتة. وبعدما يناقش الكاتب مفهوم «الاحتفالية» في المسرح العربي، ويحلل إشكالية «الأنا ـ الآخر» في مسرح توفيق الحكيم، ينتقل للحديث عن مغامرة المرأة العربية في كتابة النص المسرحي، وهي مغامرة متواضعة لم ترتقِ إلى مستوى «الظاهرة» في الحياة المسرحية العربية، إذ يلاحظ الكاتب، هنا، بان «إسهام المرأة العربية في التأليف المسرحي فقير جدا، قياسا إلى إسهامات الرجل، ومقارنة بحضورها الإبداعي في حقول فنية وأدبية أخرى كالقصة القصيرة، والرواية، والشعر، والتشكيل، والتمثيل... فعدد الكاتبات المسرحيات المتمرسات في العالم العربي، مذ عرف العرب المسرح وحتى الآن، لا يتجاوز عدد أصابع اليدين.
في الفصل الأخير يلقي الكاتب الضوء على عدد من التجارب المسرحية اللافتة ضمن المشهد المسرحي العربي، فيتحدث عن النص المسرحي لدى نجيب محفوظ الذي غلبت شهرته الروائية كثيرا، شهرته المسرحية، وهو، في الواقع، ركز على الرواية دون غيرها من الفنون، وحقق شهرة واسعة، ويرى الباحث، هنا، بان الكاتب الذي يصل إلى الذروة في إبداع نوع أدبي معين، ويصبح علما كبيرا من أعلامه يجد من الصعوبة أحيانا المغامرة في ممارسة نوع أدبي آخر لا يضمن أن يصل من خلاله إلى إبداع نوعي رفيع.
ويتوقف الباحث، كذلك، عند تجربة المسرحي العراقي الأشهر جواد الأسدي الذي قدم الكثير من العروض، ويعد اليوم واحدا من أهم المخرجين العرب، وينظر له النقاد بتقدير كبير، وهو يجمع في عروضه بين التأليف والإخراج والإعداد، ويميل إلى تسمية عمله بـ «البحث المسرحي» القائم على التحفز في الفكر، والتوتر في الذات، وتثقيف العين والحد من سلطة اللسان بوصف المسرح فعلا بصريا أكثر مما هو سمعي».
المؤلف في سطور
عواد علي، هو ناقد عراقي معني بالمسرح، يقيم في الولايات المتحدة الأميركية. صدر له، منذ نهاية الثمانينات، وحتى اللحظة، العديد من المؤلفات، منها: «المألوف واللامألوف في المسرح العراقي»، «معرفة الآخر»، «شفرات الجسد»، «غواية المتخيل المسرحي»، «نهر المجرة»، «دراسات في الرواية العربية»، «المعراج الأرضي»، «المعرفة والعقاب».
إبراهيم حاج عبدي
الكتاب: الحضور المرئي: المسرح من التحريم إلى ما بعد الحداثة
تأليف: عواد علي
الناشر: دار المدى دمشق 2008
الصفحات: 285صفحة
القطع: المتوسط

