تفاوتت لقطات رام الله وغزة فنياً، فبينما كان دوغلاس أكثر انفتاحاً على المستقبل وعدسته أكثر استجابة لحياة يستشرفها من أدق الأشياء صغراً ويشيع فيها لوناً من ألوان الأمل؛ فإن زميله الحسيني كان أكثر انحساراً في رصده لحركة الحياة في غزة وما تركته من تأثير يومي بارز في الحياة الاجتماعية

نادي التصوير الفوتوغرافي في الجامعة الأميركية بالشارقة «ارتكب» إحدى جماليات عروضه الفوتوغرافية الجديدة حينما استحضر الرؤى الفلسطينية عبر معرض «ارتكاب ذاكرة» لمصورَين فلسطينيين قدما من اتجاهين مختلفين رؤية ورؤيا وعبر محورين تتنازعهما الذات الوطنية في أقسى تجلياتها وهي تخضع لظروف خارجة عن قدرتها المحلية. يحيلنا «ارتكاب ذاكرة» إلى عنوان شعري خالص وكأنما لحظة الشعر بتجلياتها الكبيرة حلّت في هذا المعرض المحتشد بالصور وهي ترسم أشكالا من التعبير عن الحياة اليومية في كفاحها ضد الاحتلال وفي شروط بقائها حية ل«ترتكب» ذاكرة وطنية ممتحَنة عبر خمسة عقود من الزمان؛ فأحمد دوغلاس حمل عدته وجاب أطياف رام الله وثائر الحسيني جاب أزقة وشوارع غزة وكلاهما التقيا في محنة الوطن المغتصب، وربما استشعرا أخيراً جماليات كثيرة في عدستين صادقتين اقتنصتا لحظات المواجهة الصارمة كما اقتنصتا جوانب مضيئة من الحياة الأخرى التي ترتكب الجمال والحب في حياة حافلة بكل ما هو مثير.

مخلفات الحرب: لحظة الكاميرا هي لحظة الحرية. والحرية هنا حياة متجولة في البيوت والأزقة والشوارع والمصانع والساحات والحدائق، فإذا كان أحمد دوغلاس يرصد من رام الله حياة النمو والبناء واستشعار الحب هنا وهناك، فإن ثائر الحسيني وُضِع في محنة التشاكل القتالي والبؤس الاجتماعي فرصد مخلفات الحرب والاحتلال ودخلت عدسته في النسيج الاجتماعي من زاوية حرجة أحياناً، فثمة التقاطات تثير الأسى وثمة ما هو غير طبيعي يسير في الحياة الاجتماعية التي تهددها أشكال متباينة من العنف، محاولاً قدر الإمكان التأثير في التلقي ونقل الإحساس المباشر إليه في حرارة اللقطة وسخونتها وديموتها الإنسانية والاجتماعية. ويمكن القول بهذا الصدد ان الحسيني نجح بدرجة مقنعة أن يكون حاضراً في انتباهاته الفنية وزاوية رصده الميدانية لما يدور حوله في الوسط الاجتماعي.

ماء وظلام: تفاوتت لقطات رام الله وغزة فنياً، فبينما كان دوغلاس أكثر انفتاحاً على المستقبل وعدسته أكثر استجابة لحياة يستشرفها من أدق الأشياء صغراً ويشيع فيها لوناً من ألوان الأمل ؛ فإن زميله الحسيني كان أكثر انحساراً في رصده لحركة الحياة في غزة وما تركته من تأثير يومي بارز في الحياة الاجتماعية.. الأول كان يبحث عن الأزهار وقطرات الماء المعلقة بالأشجار لإكسابها بُعداً رمزياً متصلاً بانسيابية الحياة، أما الثاني فقد أرهقته رؤى الموت والقتال والخراب والسواد والعجز الإنساني في مواجهة الظلم والاحتلال؛ وكلاهما اقتربا جيداً من قضية وطنية والتحما في صورة واحدة هي صورة الوطن المحتل.

بؤرة اللقطة

ثائر الحسيني يواجه بعدسته كتلاً من الظلام والسواد وانحسار الضوء في معظم لقطاته، لكن دوغلاس كان أكثر حرية في استثمار الطبيعة في رام الله لمواجهة زميله من زاوية أخرى شع فيها الضوء في معظم لقطاته الفنية وأدقها تفصيلاً. وهنا تلعب عين العدسة دوراً استثنائياً في حصر بؤرة اللقطة واقتباسها لحظة ولادتها كما حصل في استدراج قطرة ماء نازلة من ثمرة خضراء. بينما الحسيني ظل منشغلاً في محاولة الإحاطة بالمشهد الكامل وإبراز خصوصياته الاجتماعية والنفسية مهما اتسع المشهد وتوالت عليه عناصر إضافية لتكريسه، لذا فإن قوة الحياة تتوافر على نحو بارز في لقطاته.. الأطفال ـ العجائز ـ الرجال ـ الصبيان وكل ما يحيط بهم من عناصر تكميلية ومشاهد تكتظ بالحياة رغم العنف والقسوة المصاحبة لها .

وفي عموم المعرض الحاشد بالصور فإنه يمكن القول ان ارتكاب ذاكرة ارتكاب ميداني فني استقدم جماليات تصويرية من أمكنة لا نجهل الكثير عنها، لكننا نجهل بعض خصوصياتها الميدانية وبعض فرادتها الاجتماعية والإنسانية من داخل الوطن المحتل.

حنين وروزيت

الفراشات الفلسطينية ملأت المعرض بالشذى والأريحية والجمال والنشاط واستقبال الزائرين وكانت حنين الحسان دؤوبة في التعريف على المعرض وأبعاده الوطنية، فيما كانت روزيت يونس تتعامل بشفافية مع الآخرين وتشرح بعض اللقطات فتضفي لمساتها الجميلة في تأويل الأثر الفني..

وارد بدر السالم