تنتشر على مساحة العالم العربي مئات المهرجانات المسرحية الموسمية، فهي ممتدة من مهرجانات للمحترفين إلى مسرح الشباب والى مسرح الطفل، وبالرغم من أنها تشكل ظاهرة ثقافية وصحية الا أن هذه المهرجانات الكثيرة والمنتشرة في أكثر من دولة عربية تطرح الكثير من البحوث والدراسات حول ضرورات التطوير والتفعيل والانتشار للحركة المسرحية العربية، إلا ان هذه البحوث والأفكار والاقتراحات تؤول في النهاية إلى أوراق تبقى حبيسة الأدراج تحمل مصطلح «توصيات».
أغلب الساحات المسرحية العربية تنظم مهرجانات للعروض المسرحية وعلى مساحة الوطن العربي هناك عشرات المهرجانات التي تقام للفرق المسرحية الأهلية تبدو وكأنها تسير على الوتيرة نفسها، بالأساليب الإدارية نفسها، وبآليات ثابتة للتعاطي مع العروض في مجال التقييم والنقد وحتى في أسلوب التظاهر الفني، فهذه المهرجانات كثيرا ما تشكل مجرد ملتقيات محدودة النطاق، يتم دعوة نخبة من الضيوف المسرحيين العرب لها للتفاعل في الندوات والجلسات النقاشية التي تعقد، وعادة ما تتبرمج برامج هذه المهرجانات بالوتيرة ذاتها، وكأنها لائحة داخلية لمهرجان واحد تم تعميمها على جميع المهرجانات في الساحات العربية، فأي مهرجان مسرحي عربي ترى فيه ندوة فكرية تتناول موضوعا أو موضوعات في الخطاب المسرحي العربي وكثيرا ما يذهب العرب في أطروحاتهم الفلسفية نحو قضايا التراث والتأصيل والتقنيات الحديثة والمسرح، خطاب الآخر والمسرح، حرية المسرح.. الخ.
وتتوازى العروض المسرحية اليومية التي يشاهدها الجمهور نفسه، من ضيوف ومشاركين تتبعها ندوات تطبيقية فورية لا تترك مجالا للتعاطي المنطقي مع الوقت الكافي لتأملات الفرجة، فكثيرا من النقد الذي يتم تداوله في هذه الندوات الفورية التي تعقد حال انتهاء العرض المسرحي هو نقد مغلف بالانطباعي، وردة الفعل الأولى، ويتعرض هذا العرض المسرحي للوقوع ضحية الالتقاطات السريعة للمشاهدات وحالات التلقي.. واغلب هذه المهرجانات يتبنى مسابقة يتم تشكيل لجنة تحكيم لها من مسرحيين عرب، هم أنفسهم قد تراهم مجتمعين أو منفردين في مجمل المهرجانات العربية لدرجة أنهم يبدون وكأنهم إكسسوارات دائمة لها.. وبالرغم من أن هؤلاء المسرحيين يكونون من أصحاب الخبرات ومن أصحاب الآراء الأكاديمية لكون اغلبهم يحمل شهادات تخصص في مجالات المسرح، إلا أن استمرار استغلالهم في لجان التحكيم، يحول مقاسات النقد إلى قياس واحد لا يختلف كثيرا لا يغاير أكثر.
لماذا تتشابه المهرجانات المسرحية العربية في آليات إدارتها وتنظيمها، ولماذا تنتهج الأسلوب نفسه، الذي يبدو انه لا يساعد ذلك على توسيع دائرتها لكي تصل إلى قطاعات كبيرة من الجمهور والمتفرجين؟ لتبقى في دائرتها المنحصرة في أوساط المسرحيين والنخبة منهم؟ الم يحن الوقت لكي تنسف الكثير من آليات التنظيم لكي تأخذ هذه المهرجانات صيغات مختلفة، تضع في الاعتبار ضرورة التوسع والانتشار والذهاب إلى الجمهور؟
المخرج والمسرحي العراقي محمود العباس يرى ان المهرجانات العربية تتشابه في آلياتها الفنية وأطروحاتها لوجود عملية تناقل للائحة الداخلية لها فحينما يتم تنظيم مهرجان عربي جديد تنقل له نسخة جاهزة من مهرجان سابق، اما بعض المهرجانات التي بها خصوصية أكاديمية فانه يمكن ملاحظة وجود تجدد في مفرداتها، كأن تلغى الجوائز أحياناً، حتى يكون هناك تجديد في العروض المسرحية ولهذا يمكن ملاحظة الاداءات العالية للمبدعين، فالمسابقة تربك المسرحي وتضعه في حالة توتر دائم، الكثير من العروض ينقصها التفرد، ليس هناك مهرجانات متخصصة موجهة لعناوين معينه، ومن المفروض ان الندوات الفكرية والموضوعات نتاج تجدد المعلومات في العصر، وان لا يكون هناك اجترار لمفردات سابقة، من مبدأ ان المسرح مرتبط بالحياة وبتسارع الحياة، لهذا ينبغي الدفع بعامل تجديد..
تبقى المهرجانات العربية في إطار دائرة ضيقة للتلقي، حيث عادة ما تنحصر فعاليات المهرجان العربي في أمكنة ضيقة هي حدود قاعات المسارع في المدينة الواحدة وفي صالة الندوات ولا تنتشر الفعاليات والعروض في أرجاء البلاد من قاعات عروض إلى الساحات العامة والى القرى الصغيرة والأحياء النائية كما يحدث في كثير من المهرجانات حول العالم مثل مهرجان افنيون المسرحي في فرنسا ومهرجان قرطاج وغيرها.. يعلق المخرج العراقي محمود أبو العباس قائلا: من المهم جدا الاطلاع على التجارب العالمية ومن نستطيع إعادة النظر في أساليب تنظيم مهرجاناتنا العربية..
أيام عمان المسرحية فيها تمازج بين العروض الأجنبية والعربية نتيجة خروجها عن المألوف العربي، لأن هذه الأيام تدعوا العديد من الفرق الأجنبية والعربية والمحلية وبالتالي يحدث هناك تنوع، ثم ان الاطلاع على التجارب العالمية سيتيح مجالا واسعا لكسب خبرات مغايرة. لدينا مشكلة أخرى في قضية تشابه المهرجانات العربية، الا وهي الضيوف. فهؤلاء يكاد يكونون هم أنفسهم في اغلب المهرجانات، وكأن الحياة تتوقف على مجموعة واحدة، ومن الأسباب المهمة جدا أيضاً ان المهرجان المسرحي العربي يشاهده المدعون فقط، والرقعة الجغرافية التي يتم فيها المهرجان ضيقة، بينما يجب ان تعمم وتنتشر إلى المدن والقرى، هذا التوزع يوسع قاعدة المتلقين ويقوي من المبدع لأنه سيجد نفسه أيضاً أمام جمهور متعدد ومتنوع ومختلف يدفعه إلى التجديد في أدائه.
المسرحي الإماراتي إبراهيم سالم يحيل الأمر إلى الأشكال الأول عند العرب في تعاطيهم مع الفن المسرحي، ويقول: الأمر يعود لتناول المسرح من الأساس من فهم المسرح في الوطن العربي، لم يحدث تغيير على الفعل المسرحي نفسه، والتعامل مع النص والخشبة والتقنيات بقي كما هو وكما لمسه الأولون، نحن أكثر أناس نقول تنظير ونؤسس مدارس للمفاهيم والنقد ولكن لا ننفذ.. في يوم ما أشعل المسرحيون شعلة المسرح الاحتفالي وأوقدوا لها نار التنظير في حين هم لا يقدمون لنا مسرحية احتفالية تشير إلى عمق ذاك التنظير وذاك التفلسف، دائما تشعر ان العمل المسرحي الحقيقي، والفعل المسرحي يأتي في آخر المطاف أو ينعدم، ونقول انه دائما وفي كل الأحوال الاشتغال على الأدوات هي الأهم، الأجانب يهمهم الشكل فالشكل هو الذي تتطور عندهم وليس التنظير، وهذه حقيقة منطقية فالعملي هو الذي يتطور ثم تتبعه آليات التنظير،.. النقد هو الذي يتبع العمل الإبداعي وليس العكس.
ويضيف المسرحي إبراهيم: عندنا في الوطن العربي نحن نشتهر بكثرة التأويل وأحيانا يصيب هذا التأويل شيء قد لا يكون موجودا أصلاً، مشكلتنا اننا لا نهتم بالعرض، فالعرض ساعة والكلام حوله أيام.. في المهرجانات العربية يتم تهميش الفعل، تهميش المخرج، تهميش المبدع المسرحي..اغلب الندوات تتكلم عن الورق في المسرح، والحديث في الأشياء المفقودة، هذا عدا عن الورش التي تقام في يوم أو ويومين وهذا امر مزر، في كل مهرجانات الوطن العربي لا يتم ايلاء الممثل قدره الكاف من الاهتمام..هناك كم هائل من التنظير المسرحي العربي وهو تنظير خاطئ، لأنه لا يستند إلى خبرة عملية..
ومن جانبه يؤكد المخرج المسرحي الدكتور حبيب العطار ان الانطباع عن تشابه مهرجانات المسرح العربية صحيح والسبب هو فعلا ان المنظمين يستنسخون التجارب من بعضهم البعض وهذا لا ينطبق فقط على مهرجانات المسرح، بل حتى معاهد التدريب المسرحي لديها الأجندة نفسها. والحل يكمن في ان تتبنى الحركات المسرحية على مستوى الوطن العربي الحق والحرية في تجاوز هذا الموروث الإداري، وهذه المناهج والأساليب التي أصبحت من ضمن الموروثات الكبيرة في آليات العمل التي تكبح الجماح نحو تجاوزها. ويؤكد د. حبيب العطار على ان قضيتنا نحن العرب تكمن في التشبث وعدم التحلحل من المكان، فمثل هذه الأساليب كانت تصلح في فترة زمنية.
ولكننا الآن نحتاج ان نشرك غير المتخصص وغير النخبوي في فعلنا الثقافي، بغية توسيع الدائرة أكثر من النخبوية إلى العامة إلى الفئة التي يجب ان يصلها هذا الفعل الثقافي، في الغرب الفعل الثقافي يطرح للعامة أولا ثم يؤتى بالنخبة ليكونوا ضيوفا على الفعل الثقافي، والحاصل عندنا هو العكس تماما.. هذا الفعل الإداري القديم المتأصل أكثر من خمسين عاما تقريبا، طرحت حوله العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام، وكان المسرحيون والمثقفون الواعون بالأمر يحاولون تهيئة الساحة للجيل الذي يليهم، واعتقد ان المستقبل الذي عنوه، هو الوقت الحاضر الذي نعيش فيه، وها نحن نرث التقاليد والأساليب نفسها، لم يتحرك فيها ساكن نحو الأمام، وإذا تركنا بدورنا نحن هذه الأزمة حاليا وصدرناها للجيل القادم، فاننا نفعل كما تفعل الثقافة العربية في جميع المناحي، فنحن عربيا نورث إشكالاتنا فقط ولا نحلها.. وهذه إشكالية لابد ان تتعرض لإصلاح في المفهوم.. انها قضية أجيال.
في دورته الرابعة وقبل أربعة أعوام من اليوم جلست نخبة من المسرحيين تتدارس وضع المهرجانات العربية ومدى تأثيرها في الواقع واتصالها بالرقعة الواسعة من المتفرجين وخرج هؤلاء المسرحيون بجملة ملاحظات أبرزها ان المسرح العربي يعيش حالة انفصام واغتراب عن المجتمع لبعده عن الواقع وافتقاره إلى المؤسسية ومقومات الاستمرارية.وطالبوا بضرورة إخراج المسرح من مرحلة النخبوية والتقوقع في العواصم والتوجه إلى قطاعات المجتمع في الأرياف والمدن داعين إلى دعم الجهود المسرحية للحفاظ على عناصر بقائها.
على مساحة العالم العربي تنتشر مئات المهرجانات الموسمية من مهرجانات مسرحية للمحترفين إلى مهرجانات مسرح الشباب ومهرجانات مسرح الطفل، وفي كل دولة عربية يوجد أكثر من ثلاثة وأربعة مهرجانات تقام سنويا، ومع ان هذه المهرجانات تطرح الكثير من البحوث والدراسات حول ضرورات التطوير والتفعيل والانتشار للحركة المسرحية العربية، وضرورة ان يحمل المسرح راية الحرية وراية التنوير وراية التفاعل الثقافي مع الآخر الا ان هذه البحوث تؤول في النهاية إلى ورقيات قليلة هي ملخص توصيات.
وفي أفضل الحالات يتم طباعتها أو نشرها كبيان يعمم على وسائل الإعلام والجمعيات الهيئات ذات الصلة.. ويبدو الأمر كما يؤكد عليه المخرج الإماراتي إبراهيم سالم، انهم يذهبون إلى التنظير والنظريات قبل الذهاب إلى مختبر الورش. ما الجدوى من عشرات المهرجانات المسرحية العربية التي تتقوقع حول نخبها ونطاقها الضيق، إذا لم تصل إلى رقعة كبيرة من الجمهور، واذا لم يصبح فعل التجمهر وفعل التمسرح فعلان يصبان في حالة عامة يتمظهر فيها الإبداع الإنساني في كل الأمكنة؟
مرعي الحليان


