أثارت رواية « عزازيل » للكاتب المصري يوسف زيدان فور صدورها ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية والدينية، والأمر يبقى مفهوما طالما أن هذا العمل الإبداعي قارب قضية دينية حساسة عند الطوائف المسيحية ودخل العمل الأدبي في شرك المسلمات اللاهوتية عن عمد وإصرار وحاول زحزحة بعض هذه الثوابت من وجهة نظر إبداعية متوسلا بذلك منطق الروائي الذي ينزع إلى ابتكار عوالمه الخاصة التي تتماهى في أحيان كثيرة مع الواقع ولكنها لا تتبناه، ولهذا أكد صاحب «العزازيل» عندما ثارت الأزمة في وجهها أن لا ينبغي النظر إليها من زاوية غير زواية الإبداع الأدبي، وأبدى أسفه من هجوم أحد رجال الدين الذي شبه الرواية بـ «شفرة دافنشي» واتهامه بعدم الحياد وخلط الحقائق بخياله الروائي.
يتخذ بطل رواية «عزازيل» التي تم أختيارها مؤخرا ضمن قائمة الأعمال الروائية الستة المرشحة لجائزة البوكر و«عزازيل» هو الاسم العبري القديم للشيطان، إبليس، الذي يعد شخصية رئيسية في الرواية، صورة أخرى غير الصورة النمطية التي يعرفها الناس في الديانات الثلاث الكبرى، وباستثناء بطل الرواية (الراهب هيبا) فإن كل الشخصيات التي تدور بينها الأحداث الهائلة في الرواية، هي شخصيات حقيقية: الأسقف تيودور، الأسقف نسطور، هيباتيا الرياضية النابغة الجميلة التي لقيت مصرعها بالإسكندرية على يد عوام المسيحيين سنة 415 ميلادية)..
وكذلك شخصيات: البابا كيرلس عمود الدين، الأسقف الشاعر ربولا الرهاوى، يوحنا الأنطاكي، وغيرهم. وقد دخلوا في النسيج الروائي الذي استلهم لغة رهيفة لا يكاد القارئ معها يشعر بأنه أمام عمل روائي كبير.. « مسارات » ألتقت الكاتب يوسف زيدان في محاولة لتسليط الضوء على هذا العمل الروائي المثير وكان هذا الحوار التالي نصه:
كيف استقبلت خبر أختيار روايتك « عزازيل » ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر؟
بالطبع، استقبلته بابتهاج كبير، وذلك لعدة أسباب، أهمها أن وجود «عزازيل» في قائمة البوكر هو انتصار لروائية الرواية ! فكما ظهر واضحاً خلال الشهور الأخيرة، كانت هناك محاولات لإخراج «عزازيل» من سياقها الروائي، وسحبها بعيداً عن عالم الأدب، والاشتباك معها باعتبارها كتاباً في اللاهوت وبحثاً في التاريخ.. وفي ذلك ظلم كبير لهذه الرواية، وهو ظلم نبه إليه كثير من النقاد الذين تعرضوا للرواية بشكل نقدي مفصل، وهو ما فعله قبلاً د. جابر عصفور في مقالته الأولى من المقالات الأربعة المطولة التي كتبها عن الرواية. ومع ذلك، أصرَّ المصرون على النظر إلى الراوية باعتبارها بحثاً.
ولماذا نهج هؤلاء هذا النهج مع «عزازيل» مع أنها الرواية الثانية بعد ظل الأفعى؟
لذلك أسباب عديدة، منها أنني عُرفت أولاً كباحث له عشرات المؤلفات والتحقيقات التراثية، فكان هؤلاء يقيسون عملي الروائي على عملي البحثي، أو هم لا يعرفون أصلاً كيف يفرقون بين الرواية والبحث.. وهناك سبب آخر، هو ظنهم بأن الرد على الرواية باعتبارها بحثاً، أسهل من نقدها كعمل أدبي ـ أقصد أسهل بالنسبة لهم ـ وبالتالي تناسوا ما هو على الغلاف وظهر الغلاف من أنها (رواية) وراحوا يلتقطون فيها بعض السطور ويردون عليها باعتبارها بحثاً.
بصراحة هل تعمدت في الرواية أن تنبش تاريخ الطوائف المسيحية، وأن تمسَّ الصراع المذهبي؟
ما تسميه أنت « تاريخ الكنيسة» وكأنه تاريخ خاص، أراه أنا (تاريخنا العام) أو جزءاً مهماً من تاريخي.. إن المرحلة المسيحية في تاريخنا هي جزءٌ منا، جزء لا يزال يعيش بيننا، ويؤمن باعتقادات سادت قبل مئات السنين بسبب اختلاف الأساقفة في وجهات النظر وفي المصالح الشخصية، فأدى ذلك قبل ألف وخمسمئة عام إلى انشطار هائل في الديانة المسيحية، لا تزال آثاره ممتدة في الكنائس المتفرقة اليوم بين الأرثوذكس الأقباط والأرثوذكس السريان والروم الأرثوذكس، وعلى الجانب الآخر الكاثوليك على اختلاف كنائسهم، والبروتستانت على اختلاف مدارسهم. وبالتالي، فإننا لن نفهم الواقع الذي نعيش فيه، إلا بمعرفة الماضي.. بل إننا لن نعرف تاريخ الإسلام جيداً إلا بدراسة تاريخ المسيحية واليهودية.
ولعلَّنى بالفعل نبشتُ هذه الأرض، لكنني لم أنبش فيها للتسلية، وإنما لإخراج بذور العنف وإبطال أصابع الديناميت المدفونة في تراثنا منذ أكثر من ألفَيْ عام.. فخلال هذا الزمن الطويل، كانت أعمال العنف تثور باسم العقيدة، وكان القتل، ولا يزال، يجرى باسم الإله، أو باسم الرب، أو باسم يهوه، أو إلوهيم أو إيل.. وأنا أرفض قتل إنسان لإنسان باسم أي إله، وأي تفويض لشخص أو جماعة معينة اختارهم الله من بين خلقه الآخرين، وسلَّطَهم عليهم.
نعود للرواية حيث نرى الراهب هيبا، البطل، يقيم علاقات نسائية متعددة.. ألا يجعله ذلك فاقداً للمصداقية الإيمانية لبطل الرواية؟
الراهب هيبا في الرواية، هو «الإنسان» بكل إيمانه وكفره، وبكل متناقضاته التي شهد بها تاريخ الإنسانية.. هو «إنسان حقيقي» قد يعيش في أي زمن، وليس «صورة نمطية» صنعتها الثقافات لتكرس مفاهيم أرادوا لها أن تسود، هؤلاء «المتحكمون)» في هذا الزمان أو ذاك.. وهو ما ترك ذلك الميراث الثقيل الذي نحمله بداخلنا، ويفعل فينا اليوم فعلَه من حيث ندرى، ومن حيث لا ندرى.
الرواية تدور في بداية القرن الخامس الميلادي..
ألا تعتقد أن الإسقاط التاريخي تقنية قديمة؟
قلت لك إن البطل وزمانه، هو نموذج إنساني عام قابل للتكرار في أى زمن، وبالتالي فأنا لا أسعى للإسقاط التاريخي كتقنية من تقنيات التخفِّى الأدبي.. إنني لا أفصل بين المراحل التاريخية التي أراها كياناً واحداً ممتداً، وبالتالي لم أتعمد إسقاط واقعي على التاريخ، بل أنظر في هذا التاريخ المشترك لفهم الواقع « لمشترك» بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، على اختلاف اتجاهاتهم.
لماذا طرحت عزازيل، وهو الشيطان، باعتباره موجوداً في قلب الكيانات المقدسة؟
لأنه في قلب الكيانات المقدسة، بل إن صورته في أذهاننا مرهونة بما نقدسه من عقائد. الأديان هي التي قدمت لنا شخصية «الشيطان» أعنى الأديان الثلاثة التي نسميها «السماوية» وقد قدمت ديانات الفرس القديمة صورة أخرى، هي شخصية «أهريمن» المساوي تماماً للإله «يزدان» فكلاهما يدير الكون بالتعاقب بين إله النور وإله الظلام.. أما مصر القديمة التي سطعت فيها لأول مرة في تاريخ الإنسانية فكرةُ «البعث » ومن ثم فكرةُ « العقيدة » فإن مصر القديمة طيلة تاريخها الممتد آلافاً من الأعوام، لم تعرف يوماً « الشيطان» ولم تقدم صورةً له في أي عقيدة مصرية قديمة.
من « ظل الأفعى» إلى « عزازيل» يرتبط موضوع الرواية دوماً برؤى فلسفية.. لماذا الإصرار على ذلك؟
لأن الأدب الروائي، بدون الرؤى الفلسفية العميقة، ليس أكثر من « حواديت » أو « حكايات» يتسلَّى الناس بها حيناً من الزمان، ولا تترك من بعدها أثراً.. بل إن كثيراً من الحواديت والحكايات قد تنطوي على رؤى عميقة يفتقد إليها كثير من النصوص التي صدرت مؤخراً، على زعم أنها أدب روائي.
وما هي الأفكار الرئيسية لكتابك الجديد؟
أطرح في هذا الكتاب مجموعة أفكار مترابطة في سلسلة تاريخية واحدة تنتقل من « صورة الله» في التوراة والإشكال الكبير الذي أحدثته النصوص والقصص التوراتية بصدد صفات الله، ثم محاولة التصحيح المسيحية عبر ما يسمى « اللاهوت» أو « الثيولوجيا» مع أنني أرى أن المسيحية لم تعرف اللاهوت طيلة تاريخها، وإنما عرفت « الكريستولوجيا» أي البحث في طبيعة المسيح.. المهم أن الكتاب يثبت بالوقائع التاريخية أن ما تسميه الكنيسة كفراً «هرطقة » هو في واقع الأمر الفكرُ « العربي » المسيحي قبل الإسلام ! وقد امتد هذا الفكر بشكل تلقائي في البيئة الجغرافية ذاتها «الشام، العراق» في بداية الإسلام وسُمي بعلم الكلام أو علم العقيدة.
محمد الحمامصي

