هل حدث ان رأيت قطارا يطير في السماء، إذا لم تكن قد زرت مدينة فوبرتال الألمانية بلا شك فأنك لن ترى القطارات الطائرة التي تقطع سماء المدينة ذهابا وإيابا وبفضل هذه القطارات يمكن الوصول إلى الضفة الأخرى لنهر «فوبر» والذي تمت تسمية المدينة نسبة إليه.

وتعد مدينة فوبرتال واحدة من أجمل المدن الألمانية على الإطلاق رغم أنها لم تنل حقها من الشهرة مثل دوسلدورف وهامبورغ وبرلين وفرانكفورت وميونيخ وكولونيا وخصوصا في أوساط السياح العرب، وتمتاز هذه المدينة الصغيرة بطبيعتها الخلابة والساحرة التي توازي سحر طبيعة جبال الألب السويسرية - الأمر الذي دفع الحكومة الاتحادية إلى إنشاء العديد من المنتجعات الصحية ومراكز معالجة أمراض الشيخوخة فيها وبأحيائها الكثيرة والمختلفة التي تتميز بتنوعها التاريخي. كما تعد المدينة مركزاً اقتصادياً وثقافياُ مهماً.

«بيت انجلس»

رغم كل الفوارق، إلا أن هناك شيئاً يوحّد كافة سكان فوبرتال، ألا وهو تاريخهم الصناعي المشترك. فقد بقي الناس ومنذ أواخر العصور الوسطى يمارسون حياكة وإعداد الغزل على نهر «فوبر» لنسجها وضفرها فيما بعد في منازلهم، إلى أن حطت في نهاية القرن الثامن عشر، وفي ظل الطفرة الصناعية التي عصفت بالبلاد الأوروبية وخصوصا ألمانيا حطت المصانع الكبيرة رحالها على ضفاف نهر «فوبر». وأسفر هذا عن ثراء القليلين وفقر وبؤس الكثيرين.

وعاش في هذه المدينة الجميلة المفكر الاشتراكي فريدريك انجلس حيث قضى سنوات طفولته وشبابه الأولى فيها وتعرف على بؤس وشقاء حياة عمال صناعة الغزل والنسيج فيها وكان لانطباعاته التي دونها عن حياة هؤلاء العمال دورا بارزا في التقريب بينه وبين صديقه الحميم كارل ماركس وإضافة المزيد للنظرية الماركسية التي كان ماركس قد بدأ في وضع أسسها. وتمل تحويل البيت الذي عاش فيه فريدريك انجلس في المدينة إلى متحف خاص بصناعة الغزل وتطوره منذ نشأتها حتى الآن ويطلق عليه «بيت انجلس»

الفيلة تطير .. أيضا

يقول الفوبرتاليون : إن قطاراتهم الطائرة تصلح لنقل كل شيء حتى الفيلة وهذا ما أراده صاحب السيرك الذي اصطحب معه فيله الصغير توفي في جولة عبر فضاء المدينة لكن الفيل المشاكس والذي يسبب دائما المشاكل لصاحبه كما تقول الحكاية فتح الباب ووقع في نهر الفوبر ولكنه نجا باعجوبة. ويشكل هذا الفيل وحكايته معلما بارزا من معالم المدينة وأهلها حيث يتميز الأهالي وبعكس الألمان ـ الألماني بطبيعته جاد ولا يجيد الفكاهة والمزح ـ بطبيعة مرحة جدا حتى يقال ان مصدر كل طرفة ألمانية هي مدينة فوبرتال.

عودة إلى القطار الطائر

يسيرالقطار في مدينة فوبرتال على السكة الحديدية، بل هو معلق بها ،وقد تم تدشين سكة القطار المعلق عام 1900 على يد القيصر الألماني فيلهلم الثاني .

مدينة تحبها من النظرة الثانية

ربما تكون مدينة فوبرتال من المدن التي قد لا تعشقها من النظرة الأولى، فهي تبدو لك للوهلة الأولى مدينة عصرية تفتقر لمقومات البلدة التاريخية القديمة. مما قد يبعث على الحيرة في تحديد نقطة انطلاق لاستكشاف هذه المدينة. ولكن ربما يعود ذلك إلى تاريخها في حد ذاته. فلقد ظلت أحياء فوبرتال وحتى بداية القرن العشرين عبارة عن ستة مدن قائمة بذاتها وجميعها تقع على نهر «فوبر»، ولم يتم لم شملها إلا عام 1929. ومازال أهالي تلك الأحياء يفتقدون حتى اليوم الإحساس بالانتماء المشترك.

لكنك بعد أن تقوم بجولة في أحياء هذه المدينة المختلفة تشعر بجمال هذا التنوع التي حافظت عليه هذه الأحياء، حتى بعد اتحادها لتكون مدينة فوبرتال. فطرق التسوق الحديثة في حي «البرفلد» تختلف كلياً عن البيوت الفخمة في حي «بريل». وما زالت واجهات البيوت المنمقة بالزخارف الجصية في شارع «بريلّر شتراسه» تشهد على الازدهار الاقتصادي الذي عاشته المدينة في أواخر القرن التاسع عشر، حين راجت صناعة المنسوجات في المنطقة بشكل لم تعرفه إلا مناطق قليلة أخرى. ويختلف كل حي في فوبرتال عن غيره من خلال محافظته على خصوصياته وروعته المميزة.

بقي ان نقول إن مدينة فوبرتال تبعد حوالي 550 كم عن برلين وحوالي 220 كم عن فرنكفورت و55 كم عن كولونيا وتربط مع مختلف المدن الألمانية بشبكة كبيرة من الطرق السريعة والقطارات الحديثة ولا تبتعد عن مطار دوسلدورف الدولي سوى 30 كم.

مروان علي