التذكير بكلمة «كاريكاتير» مرفَق بالضحك ليس بمعنى القهقهة وإنما بانفراج قسمات الوجه، على الأقل في هيئة ابتسامة هي طلقة الضحك الأولى، من دون ذلك لا يكون الكاريكاتير جديراً باسمه.

بما أن الضحك هو خروج عن الصمت، عن وقار ما، لأن ثمة فعلاً مرئياً يجمع بين الكتابة والخط، يكون الضحك شاهده الأصدق الوحيد لأن المرئي ليس كائناً مألوفاً بأبعاده ذات التناسب المعين في الأعضاء المكوّنة له، إنما هو الكائن المواجِه لما يُعرَف به كما لو أننا نواجه مسوخية معينة في المرئي لأن بلبلة حادثة في التناسب ذلك، وهي دليل ذكي للمعني بمكاشفة ما هو عليه من منظور الكاركاتيري وإن يسخطه ما يشير إليه.

إن المسوخية إشارة إلى تشوه في المرئي رسماً ما، هو عقاب نازل فيه بينما هنا فالإجراء يقتضي النظر في وضع آخر لا يكون عقابياً حيث يعرض بموضوع الكاريكاتير، في أن يكون كاشفاً لمن يعنيه في زاوية ما تتمكن من إظهار ما يميّزه، ما يستحق التقدير، وكأن تأويلاً مختلفاً بالرسم الخطي والكتابي يشد الناظر إلى مواجهة أخرى، والانشداد يتوقف على نباهة المنظور!

يكون ضحكٌ حتى لو أن سخرية تسِم المرسوم وفي نقطة هي بؤرة توتر المرئي، تلك هي قراءة في مرآة، في حركة انتشار بسيطة على الورق ولكنها نافذة بمفعولها، لأن القراءة في المرآة هذه تعرّف بوجه غير معهود والوجه ممثّل الجسد الرئيس، وثمة قيمة ما تلوّن هذا الوجه، ولهذا تكون غواية رسام الكاريكاتير مركَّبة ومخيفة لأنها أكثر من كونها خطاً عادياً وكتابة عادية، إنها قراءة الداخل بطريقة لا يحتاج الناظر فيها إلى من يترجم له كثيراً ما هو معروض أمامه، ولهذا يتملك الخوفُ الكثيرَ من أصحاب الفعاليات السياسية والثقافية وغيرها، لأن ثمة مباشرة حسية في المخاطبة تنبّه الآخرين إلى ما يجب التوقف عنده.

الضحك المتعلق بالكاريكاتير شر لا بد منه، لأن ثمة ذائقة جمالية خاصة لا يدركها إلا المقدّرون للكاريكاتير وأهله، حيث إن الكاريكاتيري يستعين بالمفارقات ويشير إليها من خلال توليفات لا تستثني أي شيء في الطبيعة، ولعل التواطؤ القائم بين اليد المنفّذة للفعل والعين الرائية من الداخل يتخوَّف منه كثيراً، خصوصاً، حين يتم التركيز على وجه ظلامي مقيم في الداخل. إنها مغامرة مفتوحة في الجهات الأربع، وليس من أحد خارج متناول الكاريكاتير.

حيث إن العملية تتوقف على نوعية العلاقة والثقافة الفنية المقاربة لذات الشخص أو سواه، وفي الوقت ذاته يكون الضحك رؤية من نوع آخر تعمُّ على الجميع، فالكاريكاتيري مقايض عالمي عابر للحدود، إذ ما إن يبصر وجهاً أو يعلم بأمر صاحبه، وبحسب نوعية سباحته، غوصه في الأعماق، تكون مساحة مرآته الكاشفة حتى يكون المردود وجهاً آخر قد يباغت صاحبه، فيكون ضحكٌ هو تقدير غير متوقع أو ضحك هو سخرية لا مفر منها، أو ضحك يطوي سخطاً على الحاصل، وفي المحصّلة يكون الكاريكاتير ضحكنا الذي لا مهرب منه، إذ ينبّه الآخرين إلينا في موقف ما ونحن في موقع المسؤولية، وضحكنا الذي يرتد علينا بمفعول عكسي وخصوصاً، عندما نعتبر ما هو أمامنا يعني سوانا.

فالمرآة هنا تواجه الجميع! ولا يدري أي من هؤلاء متى يدخل وجهه في نطاق المرآة المتبصرة هذه، ليكون له نظيرٌ يتوارى وراءه عميقاً قد يهرب منه صاحبه أي يتنصل منه، ولكن المقروء فيه يضعه في مواجهة مع ذاته تكون الحدود المشتركة لكل منا، لحظة أخذ العلم على أن الجاري لا يقتصر على وجه دون آخر، حتى أكثرنا عزلة أو بعداً عن المحيطين به أو عدائية إذ يعنينا أمره، لهذا فإن ما يكونُه ضحكاً ليس بمستغرب أن يكون بكاء ندم أو سخرية معكوسة، إذا استشعر أنه استثناء مما يعيش وإلا لما كان الاهتمام العالي بهذه القراءة المتلونة في المرآة الخاصة: الكاريكاتير!

إبراهيم محمود