تكشف الحوارات الجماهيرية التي تبثها الإذاعات وتنشرها منتديات الإنترنت عن مستوى متأخر من الوعي لدى الإنسان العربي، فهو يهاجم عندما يشعر بالخسارة ويصمت عندما تكثر حوله الحجج ويرفع صوته إذا لمعت بذهنه فكرة ما، وهذا ليس أصول الحوار، لأن الحوار يحتاج وعيا أعمق من مجرد أشخاص غاضبين أضاعوا سبل الدفاع عن قضيتهم بسبب ضوضائهم وقلة معرفتهم.

تكشف تلك الحوارات عن رغبة جامحة في النيل ممن لا يتفقون معهم في الرأي، ويطلقون عليهم الأحكام الجاهزة، ولا يجيدون فن الإصغاء، وتراهم لا يسمعون محدثهم، بل يضطر المحاور (المذيع) إلى قطع الصوت عنهم لإسكاتهم حتى يتسنى للطرف الآخر الرد أو التعليق، ولأنهم يجهلون أصول الحوار يطرحون السؤال والجواب ويعلقون عليهما بصيغة التهكم أو التقليل من شأن الطرف الآخر.

ولطالما سعت بعض المحطات الإذاعية إلى الاستعانة بمن لديهم الوقت للمشاركة في الحوارات، وبحثت كثيرا في الأرياف عمن يريدون خوض غمار الحوار حول قضايا اجتماعية أو دينية شائكة تعالج بطريقة فطرية مثل (الحجاب والختان) أو قضايا سياسية ساخنة مثل (القضية الفلسطينية ولبنان والصومال والعراق.. الخ) حيث يرى المحاور الأمور غالبا من ثقب الإبرة، فهو يعلق على ما يسمع أو يشاهد، وها قد أتيحت له الفرصة ليكون بطلا من خلف الميكرفون.

لكن شبكة الإنترنت ـ رغم حداثتها ـ سحبت البساط من تحت أقدام المذياع، فقد كشفت هي الأخرى عن مستوى من التخلف لدى شريحة نالت قسطاً من التعليم ولكنها لم تنل نصيبا من المعرفة الكافية للدخول في أصول الحوار، الحوار على الشبكة فيه كل أنواع الشتائم فعندما تكره شخصا تشتمه أو بلداً أو قضية تجهلها، والإنسان عدو ما يجهل، وهذه هي حال الملايين من رواد الإنترنت الذين ينتفضون عاطفيا للدفاع عن فلسطين أو العراق بسيوف من خشب.

ما تكشفه الحوارات المفتوحة مع الجماهير هو مقياس وعي المجتمع بقضاياه، ومن خلالها يمكن لأي جهة ساعية إلى السيطرة على المنطقة أن تفرز من هؤلاء وكيف يفكرون وما هي أسرع السبل للوصول إليهم، وقد حدث هذا حقا، فلا توجد جهة غربية لا تعرف آلية التعامل مع سكان المنطقة، لذلك أدخلوها في حروب طائفية في أكثر من بقعة،،لكن أخطرها تلك التي تدور عبر الأثير المسموع والمرئي.

hussain@albayan.ae