كتاب مارتن وولف الجديد «طرق تثبيت التمويلات العالمية» مكرّس لشرح الآليات التي تؤدي على أساسها أشكال اختلال التوازن المالي العالمي إلى أزمات مالية مثل تلك التي اندلعت مؤخرا من الولايات المتحدة الأميركية ولا تزال النتائج التي ستؤول إليها غير محددة حتى الآن. ويحمل هذا الكتاب عنوانا فرعيا حدده المؤلف بمحاولة التعرف على «الكيفية التي يمكن بواسطتها الحد من الأزمات المالية في القرن الحادي والعشرين».
إن شرح هذه المسألة يشكل في الواقع الخط الناظم للتحليلات المقدمة في هذا الكتاب.ويشرح مارتن وولف بالتفصيل المراحل التي ينبغي اتباعها من أجل تجنّب ما يسميه ب«الدورة التخريبية».
وهو يعود بغية توضيح ما يقدمه من أفكار إلى دراسة الأزمات المالية العالمية المتتالية منذ بداية عقد الثمانينات الماضي. ويصل من خلال دراسته إلى القول إن «الأمن المالي العالمي» يتعلق قبل كل شيء ب«الاقتصادات الوليدة» وبقدرتها على تطوير منظومات مالية تتسم بقدر كبير من «التصلّب».
وضمن نفس النهج من الأفكار يرى المؤلف أن أشكال اختلال التوازن المالي العالمية تهدد التجارة الليبرالية نفسها عبر تهديدها لقواعد السوق. لذلك ينبغي على البلدان ذات الفوائض زيادة المردودية المتعلقة بالطلب الداخلي. بهذه الطريقة قد تستطيع البلدان التي تعاني من العجز إيجاد مخارج لها تجنّبها الإفلاس.
ويرى مارتن وولف أن التمويلات تشكل «دماغ اقتصاد السوق». لكن تجارب العقود الثلاثة المنصرمة أثبتت أن هذا «الدماغ» يعاني من نقاط ضعف عديدة وأن «مزاجيته» يمكن أن تتأرجح من حالة «الحبور» إلى حالة «الخوف» المفرط. كذلك يبيّن تاريخ «التمويلات العامة» منذ عام 1980 وحتى اليوم أن الأزمات يمكن أن تنفجر، بحيث لا تقتصر نتائجها على بروز أعباء جديدة ينبغي على دافعي الضرائب تحمّلها أو على التخلّي عن أي مردودية.
ولكن يمكن أن يكون الثمن «تحطيم حياة العديد من الضحايا الأبرياء». إنهم بالتحديد «ضحايا» التلاعب الذي يمكن أن تعرفه الأسواق المالية. الأمثلة التي يقدمها المؤلف على ذلك كثيرة وليس أقلها شهرة الانهيار الكبير الذي عرفته مجموعة «ازون» المالية قبل عدة سنوات والتي كانت أحد أكبر المجموعات المالية الأميركية بل والعالمية.
هذه الكوارث حوّلت التمويلات العالمية إلى نوع من التحدي الاقتصادي بالنسبة لأولئك الذين يدعمون ضرورة دمج الاقتصاد العالمي في إطار ما تطلق عليه تسمية «العولمة». والتحدي المقصود يتم وصفه أنه متعدد الوجوه وليس أقلها النزاعات العالمية والإرهاب والكوارث الطبيعية، مثل إعصار تسونامي وغيره.
هذا يعني أن هذه التحديات لا تتعلق فقط بالسياسات الاقتصادية ولكنها تتعداها إلى آليات تسيير المنظومة العالمية بكل وجوهها. لكن تبقى «مستويات الاندماج المالي» ذات قيمة كبيرة على صعيد التمويل العام.ومن خلال دراسة الأزمات المالية المتكررة خلال العقود الأخيرة منذ عام 1980 «يكتشف» المؤلف وجود روابط بين الاقتصاد الجزئي الميكرو- وآلياته في التمويل وبين الاقتصاد الكلّي الماكرو- في مجال ميزان المدفوعات.
ويبيّن كيف أن الأزمة التي انفجرت في الولايات المتحدة على خلفية سياسة القروض وأسعار الفائدة المتصاعدة إنما ترجع إلى نفس النموذج الموديل الذي تندرج فيه الصدمات الاقتصادية لعام 1997 و1998 وبداية 1999 في اميركا اللاتينية وروسيا وآسيا. ويتم في نفس السياق توجيه النقد للسياسات المالية التي انتهجتها الولايات المتحدة الاميركية والتي جعلت منها «المقترض» الأكبر و«المسرف» الأكبر في العالم اليوم.
وكان ظهور الولايات المتحدة ك«مستقرض» كبير قد أمّن في البداية درجة من الاستقرار الاقتصادي والمالي. وكون أنها تمتلك الاقتصاد الأكبر والقطع النادر الدولار- الأهم بكونه عملة التبادل التجاري العالمي الأهم فإنها قادرة على أن تقترض من الأسواق الخارجية أكثر من أي اقتصاد آخر، أو من أي مجموعة اقتصادات أخرى.
لكن ترجمة ذلك على الصعيد الداخلي الاميركي كانت زيادة مفرطة في الديون المترتبة على الأميركيين. وهذا قاد إلى الأزمة التي تجد أحد جذورها الأساسية في الذهاب بعيدا في سياسة القروض المؤدية إلى الرهن بسبب عدم القدرة على السداد.
كانت النتيجة هي نقص الطلب الداخلي وتدهور قيمة الدولار.يضاف إلى هذا عدم الفهم الجيد للمخاطر الملازمة للاستدانة بالقطع النادر الأجنبي، من قبل البلدان المدينة، وعدم الفهم الجيد للمخاطر المتعلّقة بتغيّر أسعار الصرف بين الدائن والمدين. ويتوّج مخاطر التمويل «عبر الاستدانة» النقص في تحديث المؤسسات المالية العالمية في اللحظة المناسبة.
في المحصلة يرى مارتن وولف أنه من أجل تجنب الوقوع «حكماً» في أزمات مالية عالمية كالتي يعرفها العالم اليوم، لا بد من فهم «مناقب ومسالب» و«ميّزات ومخاطر» التمويلات العالمية «الليبرالية».
الكتاب: طرق تثبيت التمويلات العالمية
تأليف: مارتن وولف
الناشر: جامعة جون هوبكنز 2008
الصفحات: 248 صفحة
القطع: المتوسط
2 Fixing Global Finance
Martin Wolf
John HopkinsUniversity 2008
248 P.
